كسر الحلقة: هل أوجاعنا حقا أوجاعنا؟ بحث في جذور المعاناة النفسية

0

جراح الماضي.. عندما يرث الأبناء أوجاع الآباء

كتب باهر رجب

مقدمة:

خلف جدران ذواتنا الداخلية الصامتة،خلف الابتسامات المتكلفة والمعاناة اليومية، يكمن سؤال مؤلم يطارد الكثيرين منا: من أين تأتي هذه المعاناة الداخلية المستمرة؟ لماذا نشعر بالثقل، والقلق، أو النقصان رغم كل جهودنا؟ قد لا يكون الجواب كامنا في حاضرنا بقدر ما هو مدفون في أعماق ماضينا، في أولى العلاقات التي شكلت وجودنا.

الجذور الأولى:

البذرة في تربة الطفولة لا تنشأ الاضطرابات النفسية والمعاناة الداخلية من فراغ.إنها ليست ضعفا في الشخصية أو خطأ فرديا محضا. بدلا من ذلك، غالبا ما تكون ثمرة لبيئة أولى لم تكن مؤهلة بالشكل الكافي لاستقبال روح طفل يحتاج إلى الحب والحنان والأمان بدرجة أساسية.

في تلك البيئة، يكون الأب والأم هما العالم كله للطفل. هما مصدر الغذاء والحماية والمشاعر. لكن ماذا لو كان هذان المصدران نفسيهما يحملان ندوبا لم تلتئم؟ هنا تبدأ المأساة. فالوالد المجروح، بوعي أو بغير وعي، يبدأ في إسقاط جراحه البكر المكبوتة على الطفل. قد يكون هذا الإسقاط في شكل توقعات غير واقعية، خوف مفرط، نقد لاذع، إهمال عاطفي، أو حتى عنف واضح. الطفل الصغير، بلا أدوات دفاعية، يستقبل كل هذا على أنه “الحقيقة” المطلقة عن نفسه وعن العالم. فيعتقد أنه هو السبب، أنه غير كافٍ، أنه لا يستحق الحب، أو أن العالم مكان مخيف.

ميراث من الألم:

السلسلة غير المنقطعة هنا تكمن المفارقة الأليمة:فذلك الأب أو تلك الأم “المجروحان” لم يأتيا جرحهما من العدم. هما نفسيهما كانا ذات يوم طفلين في بيئة قد تكون قاسية أو محرومة. لقد ورثوا بدورهم جراحا من آبائهم وأمهاتهم، الذين عاشوا هم أيضا في نفس الدائرة. وهكذا، تتحول المعاناة إلى “ميراث عائلي” صامت، ينتقل  من جيل إلى جيل، كسلسلة مغلقة من الأذى المتوارث.

يصبح الم كلعبة قديمة يمررها اللاعبون دون أن ينظروا إليها، يرث كل جيل الصدمة التي لم يشف منها الجيل السابق، يحملها كحقيبة ظل ثقيلة غير مرئية، دون أن يعرف حتى محتوياتها. يصبح الأمر “طبيعياً” في نسيج العائلة، لغة صامتة للمعاناة يتحدثها الجميع ولكن لا يجرؤ أحد على ترجمتها.

الصدى والوعي:

رحلة اكتشاف الذات الحقيقية يكبر الطفل وهو يحمل على كتفيه أوجاعا لم تكن تخصه في الأساس. إنها أوجاع والديه و جدوده. يعيش حياته محاصرا بصدى معارك لم يخضها، وخوفا من مخاطر ليست حقيقية، و شعورا بعدم الأمان في علاقاته و اختياراته.

ثم تأتي لحظة التحول في هذه الرحلة: لحظة الوعي. يبدأ الفرد، غالبا في مرحلة الشباب أو الرشد، في التساؤل والشعور بعدم الانسجام. من خلال القراءة، أو العلاج النفسي، أو التأمل الذاتي العميق، يبدأ في فك شفرة ذلك الصدى. يكتشف أن كثيراً من آلامه وأفكاره المشوهة عن ذاته ليست ملكاً له، بل هي مجرد “تسجيلات” قديمة تم تمريرها إليه. يدرك أن تلك الأصوات الناقدة في رأسه ليست صوته هو، بل هي صدى لأصوات الآخرين من ماضيه.

كسر الحلقة:

تحرير الذات وتحرير الأجيال القادمة هذه الوعية هي أقوى سلاح.إنها البداية الحقيقية للتحرر. فحين يدرك الفرد أن الإرث الذي يحمله ليس قدرا محتوما، تبدأ رحلة الشفاء. يصبح مطالبا، ليس انتقاما أو لوما للآباء – فهم في النهاية كانوا ضحايا أيضاً – بل يصبح مسؤولا عن كسر هذه الحلقة المفرغة.

 

كسر هذه الدائرة هو عمل بطولي. يتطلب شجاعة هائلة لمواجهة الماضي، والشعور بالألم المدفون، ومن ثم اختيار مسار مختلف بوعي. تعلم لغة جديدة من حب الذات ووضع حدود صحية. إعادة تربية الذات مرة أخرى، ولكن هذه المرة بشكل صحيح. وقف حلقة الألم المتوارث حتى تنتهي عنده،  ليس فقط نفسه ولكن أيضا أطفاله وأحفاده من هذا الإرث الثقيل و الضار.

https://alyooum.com/%d8%a7%d9%84%d8%a5%d8%b1%d8%b4%d8%a7%d8%af-%d8%a7%d9%84%d9%86%d9%81%d8%b3%d9%8a-%d8%a3%d9%85-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%b1%d9%8a%d8%9f-%d8%af%d9%84%d9%8a%d9%84%d9%83-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%85%d9%84/

خاتمة:

معاناتنا الداخلية،إذن، هي غالبا قصة لم نبدأ كتابتها بأنفسنا، لكننا أصبحنا رواتها وحملة رايتها. إنها صدى لأغنية حزينة غنيت منذ زمن بعيد. لكن الوعي يمنحنا الحق والقدرة على تغيير اللحن وكتابة كلمات جديدة، كلمات قائمة على الرحمة بالذات والوعي والحرية. كسر دائرة الألم المتوارث هو أعظم هدية نقدمها لأنفسنا وأعظم إرث نتركه لمن بعدنا، إرث من السلام الداخلي والحب الواعي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.