بقلم / زينب النجار
في الآونة الأخيرة تحولت بعض القنوات والبرامج الحوارية إلى ساحة صخب لا تهدأ ، حيث يُعاد تكرار نفس المواضيع والقضايا الجدلية بصورة مبتذلة، وكأن الرسالة الإعلامية لم يعد لها هدف سوى اجتذاب المشاهدات عبر العناوين المثيرة والحوارات المستفزة.
المثال الأوضح تجلى في تناول بعض القنوات لقضية شخصية تتعلق بالفنانة وفاء عامر وزوجة لاعب كرة القدم الراحل إبراهيم سعيد “شيكا”، إذ تحولت القضية الخاصة إلى مادة أساسية للبرامج، وأُعيد تدويرها بنفس الأسئلة ونفس الاتهامات ونفس الانفعالات.
لكن ما الفائدة الحقيقية التي تعود على المجتمع من هذا التناول المتكرر؟
المشاهد يجد نفسه أمام حالة من الانقسام بين مؤيد ومعارض، وملايين التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي وكأن الجميع أصبحوا قضاة يحكمون في الأعراض دون بينة أو دليل، والحقيقة أن القضية وصلت بالفعل إلى ساحات القضاء، وهو الجهة الوحيدة المخوّلة بقول كلمة الفصل. فما الجدوى إذن من محاكمات إعلامية سريعة لا تزيد الناس إلا انقسامًا؟
الإعلام لم يُخلق للنميمة أو التسلية الرخيصة، بل وُجد ليكون منبرًا للناس، يعكس همومهم، وينقل أصواتهم، ويطرح حلولًا لمشكلاتهم اليومية. ولدينا من الملفات الملحّة ما يكفي لملء ساعات البث على مدار العام.
ملف التعليم: تدهور البنية التحتية في المدارس، وازدحام الفصول، وضعف مستوى المعلمين مقارنة بما يستحقونه من تقدير مادي ومعنوي.
البلطجة الإلكترونية والتنمر: تفشي الظواهر السلبية على مواقع التواصل وتأثيرها الخطير على الشباب والمراهقين.
الفقر والتشرد: وما ينتج عنه من مشكلات أمنية واجتماعية تهدد استقرار المجتمع.
الصحة النفسية: الارتفاع الملحوظ في معدلات الاكتئاب والقلق بين الشباب، وغياب الدعم النفسي الكافي.
انتشار الأخبار المضللة: التي تزرع الفتن وتزيد الارتباك داخل المجتمع.
العنف الأسري: الذي يتزايد بشكل مقلق ويؤثر على وحدة الأسرة وسلامة المجتمع.
البطالة وغلاء المعيشة: حيث أصبحت أحلام الشباب أبسط من أن تتحقق في ظل هذه الظروف.
إهمال المستشفيات الحكومية: ونقص الخدمات الطبية المقدمة للمواطن البسيط.
قضية ذوي الإعاقة: التي تحتاج إلى حلول حقيقية تضمن لهم المساواة والعدالة في الحقوق والخدمات، ملف ذي الإعاقة وحده يكفي ليكون محورًا لعشرات الحلقات والبرامج فهو ملف ملئ بالتحديات والفرص من ضرورة تيسير الوصول إلي المرافق العامة إلي توفير فرص عمل حقيقية.
هذه مجرد أمثلة من واقع مليء بالتحديات، يحتاج إلى تسليط الضوء والنقاش الجاد، لا إلى إضاعة الوقت في جدالات فارغة لا تعود بأي فائدة. والأجدى أن نستضيف المتخصصين من وزراء وخبراء وأطباء وعلماء اجتماع ونفس، ونطرح معهم الرؤى والحلول، بدلًا من صناعة “شو إعلامي” لا يزيد المجتمع إلا انقسامًا.
كما أننا نملك نماذج مشرفة من شبابنا ورجالنا ونسائنا حققوا إنجازات عظيمة في مجالات متعددة، هؤلاء هم الأولى بالظهور على شاشاتنا ليكونوا قدوة للأجيال القادمة.
إنّ الإعلام في جوهره رسالة سامية، وهو مرآة للمجتمع وصوت للناس، لا وسيلة للتشهير والفضائح. استعادة ثقة الجمهور لن تتحقق عبر مطاردة القضايا الخاصة، بل عبر التمسك بالرسالة الحقيقية: توعية الناس، نقل همومهم، اقتراح الحلول، وتقديم نماذج ملهمة تفتح أبواب الأمل.
إلى كل إعلامي وصحفي ومذيع
تذكر أن الكاميرا والميكروفون أمانة، وأن المشاهد ينتظر منك ما ينفعه ويضيف لوعيه، لا ما يثير فضوله للحظة وينتهي في زحمة “التريند”. عودة الإعلام لدوره الحقيقي تبدأ من إعادة ترتيب الأولويات: من الاهتمام بالإنسان ومشكلاته اليومية، إلى كشف الخلل في السياسات والخدمات، إلى تسليط الضوء على النماذج التي ترفع اسم البلد.
الإعلام القوي لا يُقاس بعدد المشاهدات الفارغة، بل بما يقدمه من وعي، وبما يتركه من أثر إيجابي في المجتمع.
فلنترك القضايا الشخصية للقضاء وأصحابها، ولنجعل شاشاتنا ومنصاتنا مرآة تعكس واقع الناس، ونافذة تفتح لهم الأمل بمستقبل أفضل.

