شهدت الساحة المصرفية والاقتصادية في السنوات الأخيرة تزايدًا في التساؤلات من قِبل عملاء البنوك، لا سيما من شرائح المشروعات الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر (MSMEs)، حول الطبيعة الحقيقية لما يُعرف بـ “وثائق ضمان مخاطر عدم السداد” أو “وثائق التعثر”. يذهب الظن بالكثيرين إلى أن حصول البنك على تعويض من شركة الضمان أو التأمين يعني تلقائيًا سقوط المديونية عن العميل المتعثر، أسوةً بما يحدث في وثائق التأمين ضد الأخطار كالحريق أو التأمين على الحياة. لكن، بالتدقيق في المبادئ القانونية والتجارب العالمية والمحلية، يتضح أن هذا التصور لا يمت للحقيقة بصلة، وأن الغرض الأساسي من هذه الوثائق يختلف جذريًا عن فكرة “إسقاط الدين”.
كتب/ محمد سمير ابوالحمد
التجارب الدولية والمحلية تؤكد: الالتزام بالسداد مستمر
تؤكد النماذج العالمية لبرامج ضمان القروض للشركات، كـ الشركة المصرية لضمان مخاطر الائتمان (CGC Egypt)، وصندوق الضمان المركزي في المغرب (CCG)، وصندوق ضمان القروض في تركيا (KGF)، جميعها على مبدأ واحد: لا تعفي الشركة المقترضة من التزاماتها الأساسية.
فعندما يدفع الضامن تعويضًا للبنك، فإنه يحل محله في المطالبة بالمديونية بموجب مبدأ “الحلول محل الدائن” (Subrogation)، كما هو منصوص عليه بوضوح في القانون المدني والتجاري المصري. يحصل البنك على تعويض جزئي يتراوح غالبًا بين 50% و80% من قيمة القرض لتقليل مخاطر الإقراض، بينما يظل العميل مسؤولاً عن كامل الدين تجاه الجهة التي قامت بالتعويض (الضامن).
التجربة المصرية لشركة CGC خير دليل على نجاح هذا النموذج، حيث ساهمت ضماناتها في توفير 120 ألف فرصة عمل والحفاظ على 100 ألف وظيفة أخرى أثناء أزمة كورونا، وبلغ إجمالي ضماناتها أكثر من 262 مليار جنيه حتى منتصف 2024، ما يؤكد أن هدفها هو تحفيز الإقراض، وليس إسقاط الديون.
البعد القانوني والتجاري: لماذا لا يسقط الدين؟
يكمن عدم إسقاط المديونية في أسباب جوهرية:
منع سوء الاستغلال (Moral Hazard): الإعفاء المطلق قد يشجع بعض الشركات على التعمد في التعثر.
العدالة بين المقترضين: إسقاط ديون المتعثرين يضر بمبدأ العدالة ويجعل المقترضين الملتزمين يتساءلون عن جدوى التزامهم.
طبيعة المنتج: وثيقة الضمان مصممة كأداة لحماية البنك وتشجيع عملية الإقراض للمشروعات ذات الضمانات المحدودة، وليست مصممة كأداة إعفاء للعميل.
هذا يضع فرقًا واضحًا بين برامج ضمان القروض (التي تحمي البنك) ووثائق التأمين على الأفراد ضد الوفاة أو العجز، والتي تؤدي فعليًا إلى سقوط الدين عن الورثة، كما هو مشترط في بعض القروض العقارية حول العالم.
“رسوم الضمان”: ثمن فرصة الحصول على التمويل
يثير السؤال الجوهري حول سبب دفع العميل لأقساط هذه الوثيقة طالما أنه لن يستفيد من الإعفاء المباشر.
تكمن الإجابة في أن العميل لا يدفع مقابل الإعفاء من الدين، بل يدفع ما يُعرف بـ “رسوم ضمان” تُدفع لشركة التأمين أو الصندوق، لكي تمكّن البنك من منحه القرض في المقام الأول. هذه الرسوم تغطي جزءًا من المخاطر التي يتحملها البنك في تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي قد تفتقر إلى الضمانات الكافية.
ببساطة، الوثيقة هي بمثابة “تذكرة دخول” لعالم التمويل البنكي، تمنح المشروع فرصة الوصول إلى التمويل اللازم لبدئه أو توسيعه، في بيئة أكثر أمانًا للمُقرض.
نحو ابتكار وثائق “عدم سداد كاملة” للقطاعات الاستراتيجية
على الرغم من أن النماذج الحالية لا تسمح بإبراء ذمة الشركات، إلا أن المستقبل قد يشهد ابتكار منتجات تأمينية جديدة تُعرف بـ “وثائق عدم السداد الكاملة”. يمكن توجيه هذه الوثائق لدعم القطاعات الاستراتيجية التي تتعرض لصدمات خارجية أو ترغب الدولة في دعمها بشكل خاص، مثل قطاع صناعة الأدوية.
ولضمان عدم سوء الاستغلال، يجب أن تُبنى هذه الوثائق المستقبلية على شروط صارمة تشمل: تغطية موجهة للقطاعات الحيوية فقط، تسعير اكتواري دقيق بأقساط أعلى، إثبات حسن النية والالتزام بسجل سداد منتظم، واشتراط سداد نسبة محددة من الدين (يحددها الخبراء الاكتواريون) قبل الاستفادة من الإعفاء. هذا النظام يهدف إلى تقاسم المخاطر وتحفيز الاستثمار الضروري، مع الحفاظ على التوازن بين حماية البنوك وتشجيع النمو الاقتصادي المسؤول.
الخلاصة: إن وثائق التعثر الحالية هي أداة تمويلية لتقاسم المخاطر وحماية البنوك وتشجيع الإقراض، وليست وسيلة لإسقاط الديون. مسؤولية العميل تجاه دينه تظل قائمة، فيما قد تظهر مستقبلاً حلول تأمينية أكثر شمولاً وموجهة بشدة لدعم استمرارية الأنشطة الاقتصادية الحيوية.


