كتب: هاني سليم
في كثير من البيوت يبدو كل شيء طبيعيًا من الخارج؛ زوجان يعيشان تحت سقف واحد، يشاركان نفس الطاولة ونفس الروتين ونفس المناسبات الاجتماعية. لكن خلف هذا المشهد الهادئ تختبئ فجوة كبيرة… فجوة لا تُرى بالعين لكنها تُشعر بالقلب. هذا هو الطلاق العاطفي؛ حين يستمر الزواج شكليًا، بينما ينفصل قلبان كانا يومًا ينبضان بالحب والاهتمام.

الطلاق العاطفي ليس صراخًا ولا خلافات قوية، بل هو صمت طويل وثقيل، وغياب للحوار، وفتور في المشاعر، وتوقف عن محاولة الاقتراب. إنه تلك اللحظة التي يعيش فيها الزوجان كضيوف داخل نفس البيت؛ كلٌ منهما في عالمه، بلا شغف، بلا اهتمام، بلا رغبة حقيقية في إصلاح شيء.

الأمر لا يبدأ فجأة، بل هو نتيجة تراكمات صغيرة: كلمة جارحة لم يُعتذَر عنها، موقف تم تجاهله، شعور بالوحدة رغم وجود الآخر، تخاذل في احتواء الطرف الآخر، ضغوط الحياة التي لم يواجهها الزوجان كفريق واحد، وغياب محاولة الفهم. ومع الوقت يتحول هذا التراكم إلى جدار عاطفي متين يصعب هدمه.
الزوجان في حالة الطلاق العاطفي يعيشان حياة “عملية” فقط: اهتمامات مشتركة تتعلق بالأبناء أو المصاريف أو المنزل، لكن لا يوجد حوار يجدد الروح، ولا كلمات طيبة تعيد الدفء، ولا مشاركة مشاعر. كل شيء يصبح روتينيًا… أداء واجبات، لا علاقة زوجية حقيقية.

الطلاق العاطفي أخطر من الانفصال الرسمي، لأنه يتم بصمت، ويستمر لسنوات دون أن يلاحظه أحد. يعيش كل طرف فراغًا عاطفيًا مهلكًا، فيشعر بالوحدة رغم وجود شخص قريب، ويشعر بالبرد رغم دفء البيت، ويشعر بأنه غير مرئي، وكأن وجوده لم يعد يعني شيئًا.
وما يؤلم أكثر أن هذا النوع من الانفصال يصنع جرحًا داخليًا بطيئًا؛ يقتل الثقة بالنفس، ويجعل الإنسان يشك في قيمته، ويتساءل:
هل أنا غير كافٍ؟
هل انتهت مشاعر الطرف الآخر؟
هل يمكن أن نعود كما كنا؟
أم أن كل شيء أصبح مجرد ذكرى؟

العلاج لا يحدث بالصمت، بل بإعادة إحياء الحوار الصادق، وبالاعتراف بأن العلاقة تحتاج إسعافًا عاجلًا قبل أن تموت تمامًا. يجب أن يتعلّم كل طرف أن التعبير عن المشاعر ليس ضعفًا، وأن الاحتواء ليس رفاهية، وأن الزواج ليس مجرد بيت وأولاد، بل روحان يلتقيان. لا بد من إعادة تقييم الأولويات، وإعادة إحياء اللحظات الجميلة القديمة، واستعادة اللغة العاطفية التي ضاعت مع الزمن.

لكن الأهم هو أن يدرك الطرفان أن الاستمرار في علاقة بلا روح يقتل الطرفين ببطء، وأن إعادة التواصل ليست مسؤولية طرف واحد فقط. وحدهما يستطيعان إنقاذ ما تبقى، أو اتخاذ قرار أكثر صدقًا بدل العيش في تمثيلية مؤلمة.
الطلاق العاطفي حقيقة موجعة في كثير من البيوت، لكنه ليس قدرًا محتومًا. يمكن إنقاذ العلاقة إذا امتلك الزوجان الشجاعة للاعتراف بالمشكلة، والإرادة لإعادة بناء الجسور. فالبيوت لا تُهدم بالضجيج فقط… أحيانًا تنهار بصمت.

