كيف تكون ممثلاً محترفاً؟ | الحلقة الثالثة: حين يصبح الصوت مصيدة… فخ «الممثل الصامت»
بقلم _ أمجد زاهر
دخل “كريم” إلى غرفة اختبار الأداء (Casting)، وكان حضوره طاغياً.
شاب وسيم، بملامح حادة وعينين فيهما بريق سينمائي لا تخطئه العين.
ابتسم المخرج ومساعدوه، وكأن لسان حالهم يقول: “أخيراً وجدنا بطل الفيلم”.
الصمت كان حليف “كريم”، لكن الكارثة وقعت بمجرد أن نطق أول جملة في الحوار. خرج صوته باهتاً، رقيقاً بشكل لا يتناسب مع ملامحه، ومسطحاً بلا أي حياة.
في تلك اللحظة، تهشم الزجاج، تحول “البطل المنتظر” في نظر المخرج إلى مجرد “وجه جميل” لا يصلح إلا للصور الفوتوغرافية.
هذه الحلقة الثالثة من سلسلة «كيف تكون ممثلاً محترفاً» تفتح ملفًا مسكوتًا عنه في عالم التمثيل، رغم كونه أحد أعمدته الأساسية.
فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في جمال الملامح أو قوة الحضور، بل في الاعتقاد الخاطئ بأن التمثيل «صورة» فقط، بينما الحقيقة أن “الصوت هو نصف الأداء… وأحيانًا كله”.
الصوت: من مجرد نطق إلى أداة إحساس
الممثل الهاوي يتعامل مع صوته كوسيلة لنقل الكلمات، لا المشاعر.
يقرأ الحوار كما لو كان نشرة أخبار أو رسالة رسمية، بنفس الإيقاع والنبرة، دون وعي بأن كل جملة تحمل شحنة عاطفية مختلفة.
هنا تظهر آفة الرتابة (Monotone)، التي تحوّل أكثر الجمل رومانسية أو غضبًا إلى كلام بارد بلا أثر.
أما الممثل المحترف، فيدرك أن صوته آلة موسيقية كاملة، تتغير نغماتها بحسب اللحظة الدرامية.
يعرف متى ينزل إلى القرار ليبث الخطر، ومتى يصعد إلى طبقة أعلى ليكشف هشاشة الشخصية، ومتى يهمس ليصنع حميمية لا تحتاج إلى صراخ.

التنفس… الوقود الخفي للأداء
بعيدًا عن الحنجرة والأوتار الصوتية، يكمن السر الحقيقي في مكان أقل شهرة: “الحجاب الحاجز”.
التنفس السطحي من الصدر يخرج صوتًا ضعيفًا مخنوقًا، ويستنزف طاقة الممثل بسرعة، خاصة في المسرح.
أما التنفس العميق من البطن، فهو ما يمنح الصوت قوة واستمرارية ودفئًا.
المفارقة أن هذا النوع من التنفس فطري، نراه بوضوح لدى الأطفال الرضع، لكنه يختفي مع الزمن بفعل التوتر والعادات الخاطئة.
الممثل المحترف يعيد تدريب جسده على هذا الأساس، ليصبح صوته قادرًا على الوصول إلى آخر صف دون افتعال أو إجهاد.
تدريبات بسيطة… نتائج حاسمة
الاحتراف لا يبدأ من ورش التمثيل المكلفة فقط، بل من تمارين يومية في غرفة مغلقة.
من أبرزها تمرين «القلم»، الذي يُستخدم لتحسين مخارج الألفاظ ومنع «أكل الكلام»، عبر إجبار اللسان والفك على مجهود إضافي أثناء القراءة.
وهناك أيضًا تمرين «التلوين الصوتي»، الذي يحوّل جملة واحدة إلى خمس حالات شعورية مختلفة.
هذا التمرين يكشف للممثل ـ حين يسمع تسجيله ـ مدى فقر أو ثراء صوته، ويضعه أمام حقيقة أدائه بلا مجاملات.
الجسد والصوت… معادلة الاكتمال
بعد التحكم في الجسد (كما في الحلقة السابقة) والسيطرة على الصوت، لا يعود الممثل مجرد «وجه صالح للكاميرا»، بل أداة درامية متكاملة.
جسد مرن، وصوت واعٍ، قادران معًا على حمل المشاعر وصناعة التأثير.
لكن الطريق لا يتوقف هنا. فالسؤال الأكبر لا يزال قائمًا: من أين تأتي الشخصية؟ هل تُخلق من الخيال فقط؟ أم تُستعار من الواقع؟
ما بعد الصوت… التمثيل كفن مراقبة
الإجابة، كما تمهّد لها السلسلة، صادمة للبعض: نحن لا نخترع الشخصيات، بل نسرقها.
نراقب الناس في الشوارع، في المقاهي، في وسائل المواصلات. نلتقط نبرة صوت، طريقة مشي، نظرة عين، ثم نعيد تركيبها فنيًا على الخشبة أو أمام الكاميرا.
وهنا يبدأ الدرس الأخطر والأمتع: «فن التلصص المشروع»، الذي ستتناوله الحلقة القادمة خارج جدران الغرف وورش التدريب.
في النهاية، هذه الحلقة تضع يد الممثل على حقيقة لا مفر منها:
من لا يملك صوتًا حيًا، سيظل صامتًا… حتى لو ملأ الشاشة حضورًا.

