بقلم: ريهام طارق
اختار النجم محمد فؤاد أن يختتم عام 2025 بطرح أغنيته الجديدة “في قربك“، في خطوة يمكن قراءتها بوصفها اختبارًا فنيًا محسوبًا أكثر منها مجرد إصدار جديد، ما يجعلها خاضعة لمعيار المقارنة مع تاريخ عريض من النجاحات، لا مع معطيات السوق المؤقتة فقط..
اغنيه في قربك كلمات: لؤي الجوهري ، ألحان: أحمد زعيم ، توزيع: عمرو الخضري ، ميكس وماستر: المهندس ماهر صلاح ومن إنتاج وليد منصور.


قدم محمد فؤاد في أغنيته “في قربك” أداءً متزنًا، هادئًا لا فيه يسعى إلى إثبات قدراته الصوتية، بل يمنح الإحساس المساحة الكافية كعادته ليكون المتحدث الرئيسي، في هذا العمل.
أداء يُبرز مدى احترافية فؤاد وقدرته على التحكم بقدرات صوته، ليؤكد أن أدواته الفنية ما زالت حاضرة، وأن الإحساس الحقيقي لا يشيخ، وأن عودة الفنان الصحيحه لا تكون إلا عندما أن يكون علي وعي كامل بتاريخه، و تأثيره، ليعيد تقديم ذاته بأناقة، بعيدًا عن الاستعراض أو المبالغة، مبرهنًا أن الفنان المحترف هو من يعرف كيف ومتى يعود.
ومنذ أن استمعت إلى الأغنية أول مره وجدتها تفرض نفسها كلحظة مراجعة واعية للهوية الغنائية التي رسخت حضور محمد فؤاد في تسعينات القرن الماضي، هنا، لا يعتمد العمل على الحنين المجرد لـ صوت فؤاد فقط، بل على انسجام عناصر العمل من الكلمة، اللحن، والأداء و تقديمها في إطار معاصر، هذا الانسجام المدروس كشف عن احترافية عاليه، لصناع العمل لكنه في الوقت ذاته وضع فؤاد أمام تحدي مزدوج، وهو الحفاظ على بصمته الأصيلة دون الوقوع في أسر استنساخ الماضي، وهي معادلة نجحت الاغنية ان تحققها بدرجة كبير.
تحدي لفنان أصيل لا يريد خسارة تاريخه
تأتي اغنيه “في قربك”، في توقيت بالغ الحساسية في مشوار محمد فؤاد، بعد مرحلة شهدت رفضه للألبوم السابق وخلافه مع الجهة المنتجة، والعاملين عليه وكانوا نخبة من أهم صناع الموسيقى العربية وهي لحظة كان من الممكن أن تتحول إلى معركة إثبات وجهه نظر فؤاد أو رد فعل انفعالي له ، إلا أن محمد فؤاد اختار طريق أكثر صعوبة وذكاء، وهو طرح عمل يفرض نفسه بنجاحه.
لم يكن التحدي هنا سباقًا على تأكيد موقف، بل اختبارًا حقيقيًا لفنان يدرك أن العودة غير المحسوبة قد تُفقده جزءًا من تاريخه، لذلك، كان عليه أن ينتقي أعماله بعناية وبما يشعر انه يمثله ويشبهه بالفعل، رافضًا فكرة الظهور بشكل أقل أو تقديم تنازلات تُضعف صورته أمام جمهوره، إنها عودة محسوبة لفنان يدرك جيداً أن الحفاظ على التاريخ أصعب من صناعة نجاح جديد.

كلمات رومانسية بلا افتعال أو مبالغة
قدّم الشاعر الغنائي لؤي الجوهري نصا يقوم على اقتصاد لغوي محسوب، حيث كتب كلمات بسيطه ومعبره، رسمت حالة حب ناضجة، بعيدة عن المبالغة الخطابية أو الاستعارات المتكلّفة وهو ما صنع حالة توافق مع طبيعة صوت محمد فؤاد الحساس، واري أنه العنصر التعبيري الأهم في العمل.
تأتي جملة “في قربك كل حاجة حلوة” بوصفها المحور الدلالي للأغنية، إذ تتحول تدريجيًا من توصيف عاطفي مباشر إلى قناعة نفسية راسخة، ويتجلى ذلك في عبارات مثل: “بقيت بحب شكلي وانتي باصه ليا” و “و بتزيد قيمتي بيكي”، وهي تعبيرات تتجاوز الرومانسية التقليدية لتطرح مفهومًا أكثر نضجًا للحب الأكثر عطاء، باعتباره فعل ترميم داخلي لإنسان منهك وأعطاه إحساسًا بالقيمة، والدعم، والطمأنينة، وهي من أرقى وأصدق صور الحب الحقيقي.
أحمد زعيم نجح في صناعة لحن يحترم التاريخ صوت محمد فؤاد
أكد الملحن أحمد زعيم من جديد في هذا العمل مكانته كأحد أكثر الملحنين وعيًا بجدلية التاريخ والفن الراهن، إذ لا يكتفي بتقديم جملة موسيقية جذابة، بل يبني مادة لحنية متكاملة تنطلق من فهم عميق ومدروس لهوية صوت للمطرب، حيث بدا اللحن وافدًا على عالم فؤاد، بل منح المستمع إحساسًا مألوفًا يوحي بأنه امتداد طبيعي لأرشيفه الغنائي، و كأن الأغنية تنتمي زمنيًا إلى ذاكرة التسعينات، الفترة التي شكّل فيها فؤاد أحد أبرز رموز المشهد الغنائي.
نجح أحمد زعيم في صناعه لحن دون الوقوع في فخ التقليد أو إعادة التدوير، الذي نراه كثير اليوم مع العديد من المطربين، فالعمل يحمل دفء التسعينات و بناءها الميلودي الواضح، في اطار معاصر حافظ على قدرته على التواصل مع أذن المستمع اليوم، من الأجيال الجديدة.
ويتمثل نجاح أحمد زعيم هنا في فهمه الدقيق لشخصية فؤاد الفنيه، إذ أعاد إلى الواجهة ذلك الصوت المرتبط في الذاكرة بالإحساس الصادق، بعيدًا عن منطق الصخب أو الاستعراض التقني.

جاء توزيع عمرو الخضري، هادئا و متزنًا، خادما للحن والنص، مع ترك مساحة واضحة للصوت كي يتصدر المشهد، أما ميكس والماستر للمهندس ماهر صلاح حافظا أيضا علي على نقاء الصوت باحترافيه عاليه كعادته.
أعتقد أن أغنية “في قربك” قد تشكل بداية لسلسلة جديده من التعاون المثمرة بين هذا الثنائي الناجح محمد فؤاد، وأحمد زعيم.

