«فريجيدير» ..حين يتحول المسرح إلى مختبر للتجميد الوجودى قراءة – أمجد زاهر

0

«فريجيدير»… حين يتحول المسرح إلى مختبر للتجميد الوجودى

قراءة نقدية – أمجد زاهر


 المسرح كمساحة اختبار للإنسان المعاصر

 

يأتي العرض المسرحي الأردني «فريجيدير»، الذي قُدِّم على خشبة مسرح السلام ضمن فعاليات الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي، ليؤكد أن المسرح ما زال قادرًا على أن يكون أكثر من مجرد حكاية تُروى، بل مختبرًا فكريًا وجماليًا لاختبار أسئلة الوجود الإنساني المعاصر. فالمخرج الحاكم مسعود لا يقدّم عرضًا تقليديًا بقدر ما يفتح بابًا للتأمل في حالة «التجميد» التي يعيشها الإنسان اليوم، نفسيًا وفكريًا وعاطفيًا، في عالم تتراكم فيه الصراعات ويخفت فيه المعنى.


الرؤية الإخراجية: عبثية رمزية ضد السكون

 

اختيار عنوان «فريجيدير» لا يأتي بوصفه عنصرًا شكليًا أو مكانًا عابرًا، بل كاستعارة كبرى لحالة إنسانية شاملة. الثلاجة هنا ليست لحفظ الطعام، بل لحفظ البشر، الأفكار، والمشاعر في حالة من التعليق القسري.
الحاكم مسعود يشتغل على العبثية الرمزية، ويقود العرض في منطقة تتقاطع فيها الواقعية المشوّهة مع الفانتازيا الذهنية. الزمن يبدو متوقفًا، والحركة تدور في حلقات مفرغة، ما يعكس فلسفة «الانتظار العقيم» التي تحاصر الشخصيات. ورغم اعتماد العرض على مساحات واسعة من الصمت، نجح المخرج في ضبط الإيقاع العام، محققًا توترًا دراميًا هادئًا لكنه ضاغط، يجعل المتفرج شريكًا في التجربة لا مجرد متلقٍ سلبي.


السينوغرافيا: البطل الصامت للعرض

 

في «فريجيدير»، تتحول السينوغرافيا إلى شخصية قائمة بذاتها.
الديكور اتسم بتقشف واعٍ، حيث بدت الخشبة وكأنها مساحة محاصَرة، تتوسطها «الثلاجة» بوصفها رمزًا للحفظ والتعفّن في آن واحد. هذا الفضاء البارد عزز إحساس الاغتراب والعزلة.

أما الإضاءة فجاءت باردة، مائلة إلى الأزرق والأبيض، مع اعتماد واضح على الظلال والإنارة الجانبية، لتُحيل الخشبة إلى ما يشبه مختبرًا حيويًا تُشرَّح فيه الأفكار الميتة.
الأزياء بدورها بدت باهتة ومحايدة، وكأنها بلا هوية، تعكس ذوبان الشخصيات في حالة رمادية خانقة.


الأداء التمثيلي: الجسد بوصفه لغة

يعتمد العرض بدرجة كبيرة على المسرح الجسدي، حيث يصبح الجسد أداة التعبير الأساسية.

الممثلون، وعلى رأسهم الفنان القدير غنام غنام، قدّموا أداءً منضبطًا قائمًا على وعي عالٍ بالحركة والفضاء.

الحركات بدت أحيانًا ميكانيكية، تعكس فقدان الروح، وأحيانًا أخرى انفجارية، في لحظات مقاومة يائسة ضد «التجميد» المفروض. هذا التناقض الجسدي منح العرض حيوية داخلية، وكشف عن صراع مكتوم بين الرغبة في التحرر والاستسلام للسكون.


النص والدراماتورجيا: بنية دائرية بلا مخرج

 

النص في «فريجيدير» يتجاوز البناء الدرامي التقليدي، ليتبنى بنية دائرية تعكس حالة زمنية متوقفة. الشخصيات لا تتقدم، بل تدور حول ذاتها.
الدراماتورجيا اشتغلت على تفكيك العلاقات الإنسانية وإعادة تركيبها في إطار ساخر ومرير، حيث جاءت الحوارات مقتضبة ومشحونة بالدلالات، تاركة للصورة المسرحية أن تقول ما تعجز الكلمات عن قوله.


الموسيقى والمؤثرات: سمعيات القلق

 

الموسيقى والمؤثرات الصوتية لم تكن خلفية محايدة، بل عنصرًا دراميًا فاعلًا. أصوات المحركات، التكتكة، والصمت المفاجئ، صنعت ما يمكن تسميته بـ«السينوغرافيا السمعية»، معبّرة عن نشاز داخلي يوازي تشقق الشخصيات من الداخل.


الخلاصة: عرض يستفز الوعي قبل الإحساس

يمثل عرض «فريجيدير» تجربة مهمة للمسرح التجريبي العربي، إذ يبتعد عن المباشرة والخطابة، ويقترب من المسرح الذهني الذي يخاطب عقل المتفرج ويستفز مخيلته.

نقاط القوة تكمن في التوظيف الذكي للسينوغرافيا، الجرأة الفلسفية، والتناغم الحركي العالي للفريق.
أما ملاحظات التطوير فتتعلق أحيانًا ببطء الإيقاع في بعض مواضع السكون، إضافة إلى كثافة رمزية قد تُربك المتفرج غير المعتاد على هذا النوع من العروض.

في النهاية، «فريجيدير» ليس عرضًا للمتعة السريعة، بل تجربة مسرحية تتطلب مشاركة ذهنية كاملة، وتطرح سؤالًا وجوديًا مؤلمًا:
هل نحن أحياء فعلًا… أم محفوظون في ثلاجة الزمن؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.