ريهام طارق تكتب: الأبراج والتاروت أخطر عملية نصب في العصر الحديث

ريهام طارق تكشف الخرافة الإعلامية التي تسوق باسم التسلية والرسائل الكونية

0

بقلم ريهام طارق 

لم تعد الأبراج و قراءات التاروت مجرد زوايا هامشية في المجلات والجرائد أو مقاطع مضحكه على منصات التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى صناعة كاملة تُسوَّق بوصفها علم طاقة، أو رسائل كونية،  أو تحليلًا نفسيًا ، بينما حقيقتها الدينية والفكرية أبعد ما تكون عن الصحة أو العلمية التي تُقدَّم بها للجمهور.

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هنا:

هل أصبحنا نؤمن بها فعلًا؟

وإلى أي مدى نسمح لها بالتسلل إلى وعينا وتشكيل قراراتنا الشخصية والمصيريه؟

من المنظور الشرعي، يخرج الاستماع إلى توقعات الأبراج أو قراءة التاروت من دائرة الجواز فور اقترانه بأي تصديق أو اعتقاد بأنها تكشف الغيب أو تؤثر في تغيير القدر؛ فالغيب، وفق العقيدة الإسلامية، علم إلهي خالص لا يشاركه فيه أحد، لا كوكب ولا بطاقة ولا قارئ طالع.

وقد وضع النبي ﷺ حدًّا قاطعًا لهذا الباب حين قال:

{من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد}

وهو تحذير صريح لا يحتمل التأويل أو التخفيف، لأن العرافة والتنجيم، بمختلف مسمياتهما الحديثة، تقوم في جوهرها على ادعاء معرفة ما استأثر الله تعالى بعلمه.

والمفارقة الصادمة أن مجرد السؤال، حتى دون تصديق، له تبعاته الشرعية؛ إذ قال النبي ﷺ:

{من أتى عرّافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة}

وهنا لا يدور الحديث عن إيمان أو اعتقاد، بل عن الذهاب للسؤال فحسب، أي أن الفضول وحده يضع الإنسان في دائرة التحذير، لأنه يفتح بابًا محرمًا في الأصل، ويكسر حاجز اليقين والثقة بين العبد وربه.

أنا أتابعها للتسلية لا أكثر… الجملة الأخطر

أكثر ما يثير القلق في انتشار الأبراج والتاروت اليوم هو تطبيعهما تحت شعار التسلية، ورغم آراء بعض العلماء التي أجازت المتابعة إذا خلت من التصديق أو التأثر أو اتخاذ القرار، فإن الواقع النفسي والاجتماعي يؤكد أن الاستمرار في هذا النوع من المحتوى لا يبقى بريئًا طويلًا، فالمداومة تخلق ارتباطًا نفسيًا خفيًا يبدأ بالضحك، ثم يتحول إلى ترقب وانتظار، يليه قلق وتفسير للأحداث، ثم  دون وعي نوع من التسليم غير المعلن، عند هذه النقطة يتآكل اليقين الراسخ بأن الغيب لله وحده، وتبدأ الخطورة الحقيقية: الإدمان، ثم التعلق، ثم إعادة توجيه بوصلة الإيمان داخل القلب، وبدلًا من الدعاء و الاستخاره… ننتظر التوقع، ونلهث وراء البحث عن ما يسمي… بـ رسالة كونية، ونستبدل الثقة بالله… بمراقبة حركة الكواكب، وهنا يتحول القلب تدريجيًا من التوكل على الله إلى التعلق بالوهم.

 

لماذا يُنصح بالابتعاد التام عن مشاهده هذه المقاطع؟

يُنصح بالابتعاد الكامل عن متابعة الأبراج والتاروت، لا من باب التشدد، بل سدًّا للذريعة، وحمايةً للعقيدة من التآكل البطيء، واستعادة لعلاقة صحية مع الله، قائمة على الدعاء، والاستغفار، واليقين بأن ما كُتب سيأتي، وأننا لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، دون وسطاء، ولا أوراق، ولا نجوم.

الفضيحة الحقيقية في القنوات الفضائية:

الفضيحة الحقيقية لا تكمن في وجود مشعوذين يبيعون الوهم، علي مواقع التواصل الاجتماعي فقط بل في القنوات الفضائية التي تفتح لهم الهواء والضوء وتمنحهم الشرعية، فغالبية البرامج التلفزيونية لا تستضيفهم لأنهم صادقون أو أصحاب علم، بل لأنهم سلعة رابحة ترفع نسب المشاهدة وتضخ الإعلانات، هنا يتحول الإعلام من ناقل للوعي إلى شريك في الجريمة، يلمّع الخرافة، و يغلفها بلغة ناعمة، ثم يقدّمها للجمهور على أنها محتوى خفيف أو ترفيهي والنتيجة كارثية: عقول تُخدَّر، وقلوب تُسحَب ببطء من اليقين إلى التعلّق، فيما يُقايَض الإيمان بأرقام المشاهدات، هذه ليست حرية إعلام، بل تجارة صريحة في الوهم، يُدفع ثمنها من وعي الناس و عقيدتهم .

في النهاية، قد تبدو الأبراج و قراءات التاروت لعبة خفيفة، لكن أثرها ليس كذلك، إنه عالم يبيع الوهم في ثوب المعرفة، و يُسوِّق الخرافة على أنها علم، لذلك كن علي حذر… فالأبراج والتاروت لا تطرق بابك وهي ترتدي ثوب الخطيئة، بل تأتي كـ نصيحة، ولا تدخل حياتك كضلال، بل لعبه للتسلية.

الأبراج والتاروت سمٌّ ناعم يُقدَّم في كأس من العسل المغشوش، يقتل إيمانك ببطء، تبدأ من أول مشاهدة، ثم الاعتياد، حتي يصبح الوهم مصدر طمأنينتك، عندها لا تخسر وقتك فقط… بل تخسر قلبك وايمانك ودنيتك واخرتك دون أن تشعر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.