مكبث الأمريكي وساحراته الثلاث … بقلم الأستاذ: وائل جنيدي

صورة
0

مكبث الأمريكي وساحراته الثلاث

بقلم الأستاذ: وائل جنيدي              

حينما كتب شكسبير مسرحيته القصيرة (مكبث) في عشرينيات القرن السابع عشر (1623) لم يكن يدور بخلده ان روح المسرحية أو لعنتها سوف تحيا طويلا وستتقمص أبطالها العديد من الشخصيات وتتلبسهم بأقدار مختلفة عبر الزمن وعلى الرغم من أن مكبث الحقيقي لم يمت كما نصت المسرحية وظل على العرش حتى توفي عجوزا في التسعين تقريبا إلا أن النهاية الشكسبيرية هي التي عبرت المسرح وانتقلت عبر الحكام والعروش والزمن.
ومكبث لم لا يعرف كما جاء في المسرحية هو ملك طاردته خطاياه حتى حافة الجنون ثم ألقت به في جحيم من الأشباح التي صنعها عقل ذاهل مخبل وبإيعاز من ساحرات ثلاث -هن أدوات القدر كما جسدها شكسبير-في غابة مظلمة قاتمة ملعونة اندفع مكبث لإصلاح الجرم الأول بجرائم متتالية بعضها يفرضها الفكر السياسي وبعضها يقترحه الجنون ونبوءات الظلام.
إن من قرأ مكبث التي كتبها شكسبير لعرش اسكتلندا وحاول مضاهاتها مع مسرحية لمكبث جديدة يكتبها التاريخ مرارا وتكرارا حتى آخر عروضها على المسرح العالمي اليوم للعرش الأمريكي وأحدث تيجان الجنون.
حين ننظر اليوم إلى المسرحية التي تدور فصولها في مسرح الأمم المتحدة ومسارح السياسة عبر العالم نجد مكبث الأمريكي ترامب وقد استبد به الجنون ربما جنون الغابة الملعونة أو الساحرات الثلاث أو حتى جنون العظمة وقد انخرط في المؤامرة تلو المؤامرة، ويتورط في الحرب تلو الحرب، والكارثة تلو الكارثة وغابته الملعونة ذات العلم الأزرق توسوس له، والساحرات يترنمن من كتب الكابالا والتلمود في أذنه فلم يعد يرى سوى الخناجر وهي تتلوى لتجز أعناق العرب والروس واللاتينيين وكل جنس غير أمريكي أبيض أو إسرائيلي أزرق، والساحرة الشمطاء من تل أبيب تلقي عليه التعويذة تلو التعويذة وهو ينساق إلى النهاية الحتمية مشهدا بعد مشهد إلى أن نصل إلى ستارة النهاية وموعظة الختام والتي لا ندرى متى فإن مسرحية التاريخ لم ينتهي عرضها بعد.
فمنذ مغامرة ترامب الأولى مع العرب ونقل السفارة الامريكية الى القدس العربية وتحدي التاريخ والحق والمنطق، إلى مغامرته الاقتصادية مع الصين ومعاداة التنين الاقتصادي العملاق، إلى تحدي روسيا في أوكرانيا ثم تحدي كامل الاتحاد الأوروبي وجميعها مغامرات تكاد تكون مرت بلا عقاب يذكر ضخمت لديه الغطرسة وجنون العظمة التي أوصلته أخيرا إلى مغامرته مع إسرائيل لمحاولة استبدال شعب كامل في فلسطين المحتلة ومحو دولة كاملة قدمها من قدم التاريخ ذاته إلي اختطاف رئيس من بيته وهو في منصبه في فنزويلا ولا يجد من يكاد يعارضه بل يتلقى بعض التصفيق والتهليل أحيانا وقليلا من المعارضة الهامسة غير الجادة هنا أو هناك وعلى استحياء فلا يجد سببا يمنعه من أن يكون نيرون أو كاليجولا أو حتى أتيلا الهوني لكن بنهاية سعيدة له تفرضها أساطيله العملاقة واقتصاده المسيطر ومخابراته التي تحصي أنفاس الكائنات
لكن الأمور لا تستقيم هكذا؛
فقد ظن كثيرون عبر الزمن أن الأمر استقر للظلم وانتظمت دولته كما ظن كل أصحاب كفر يواجهون انبياء الله ينازعونهم في الحق المبين وهم يظنون الأقدار تدور بين أيديهم والتاريخ يكتب تحت ظلال سيوفهم وبأسنه رماحهم.
لكن خيل الحق لا تنفك تخرج دائما على حين غرة ويتجسد النور فيمزق ثوب الظلام ويعلو العقل على غيمة الجنون فما يصنع هو ومن ورائه إلا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى
لست أدرى متى تمتد يد واثقة ثابتة فتمزق بيت العنكبوت هذا وتعيد الحق إلى نصابه ونرى مشهد النهاية؟ لكني أثق أننا سنرى أنوار الحق تتلألأ على المسرح قبل أن تسدل ستارة النهاية وينتهي العرض الحالي من نفس المسرحية ويموت مكبث الحالي وينتظر المسرح مكبث جديد ربما في دولة جديدة وباسم جديد وفكر جديد،
ونهاية أغرب من تلك التي نعرفها
وإن غدا لناظره قريب.

اقرأ أيضا للكاتب

التصدُّعات المجتمعية تحت قذائف “الترند” بقلم: وائل جنيدي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.