تحذير من أصحاب الثراء الفاحش … بقلم: د.حكيمة جعدوني

صورة
0

تحذير من أصحاب الثراء الفاحش

بقلم: د.حكيمة جعدوني    

تشريح نقدي لسلطة المال المطلقة واقتراحات لضبطها سياديا

يشكّل الثراء الفاحش ظاهرة مركّبة تتجاوز الحيّز الاقتصادي، لتلامس البنى الاجتماعية والقيمية والسياسية في المجتمعات المعاصرة.
فتتراكم الثروات الهائلة عبر مسارات متباينة، بعضها ملتبس المصدر، وبعضها يُقدّم كإرث عائلي أو حصيلة أنشطة اقتصادية سابقة. لكن التحليل العميق لطبيعة توظيف هذه الثروات يكشف عن أدوار خفية للمال تتجاوز التبادل الاقتصادي إلى تشكيل السلوك الاجتماعي وبناء النفوذ السياسي.
توجّه هذه الأموال أحيانا لتمويل شبكات غير قانونية، أو صفقات السلاح والمخدرات. وتُضخّ في مشاريع تجارية ضخمة، أو تُستهلك في اقتناء سلع استعراضية كأساطيل السيارات الفاخرة واليخوت والطائرات الخاصة، ويترافق ذلك مع امتلاك فنادق وقصور ومساكن فخمة، وعقارات مترامية الأطراف، التي تؤدي وظيفة مزدوجة، إشباع نزعة التملّك، وترسيخ الهيمنة الاجتماعية كأداة حضور قسري.
كما تتحول هذه الثروات إلى ذهب وماس ومعادن ثمينة تُرصّد في الخزائن كقيمة جامدة، منفصلة عن أي بعد إنساني أو منفعة مجتمعية.
وفي منحى آخر، تنساب الأموال نحو فضاءات اللهو والصخب، حيث تُلقى في طقوس استهلاكية استعراضية تحت أقدام المومسات والمغنيّين، كدليل على الثراء المفرط بمنطق الهيمنة الجديدة القائمة على تفريغ القيم وتأسيس معايير سلوكية مختلّة.
في هذا السياق، يصبح الثراء الفاحش بنية اجتماعية غير أخلاقية فاعلة، تسهم في إعادة إنتاج اختلال القيم، وتمنح المال نفوذا يتجاوز المجال الاقتصادي، ليمتد إلى السياسة وأنماط العيش، ويعيد تشكيل مفهوم القوة والنجاح في الوعي الجمعي.
يُظهر الواقع العالمي أن ثروات ثلاثة أو أربعة من كبار الأثرياء قد تفوق موازنات دول بأكملها. هذه الهوّة بمثابة مؤشّر على تفاوت اقتصادي، وخطر استراتيجي متعدّد الأوجه:
• إنهاك الخزينة العامّة : حرمان الدولة من مواردها الأساسية، وفقدان قدرتها على تقديم الخدمات وإدارة الاقتصاد.
• تمويل الأنشطة الهدّامة: تحويل الثروة إلى وقود للرشوة، وتمويل العصابات، وتجارة الممنوعات والمخدرات، إضافة إلى استخدامها في أنشطة التجسّس والخيانة العابرة للحدود عبر التعامل مع دول أخرى. إذ يجري شراء أشخاص بمبالغ طائلة لارتكاب جرائم قتل، أو تسريب معلومات حسّاسة، أو الاتجار بالبشر.
• الهيمنة على القرار السياسي: القدرة على إسقاط أحزاب سياسية، أو دفعها إلى الواجهة، وتحريك انقلابات عسكرية، وإزاحة حكومات قائمة، وإرباك الاقتصاد الوطني عبر التحكّم في القدرة الشرائية للمواطن بفرض أنماط استهلاكية واستعراضية، والتلاعب بالأسواق المالية والبورصات.
• تشكيل وعي وسلوك المجتمع: عبر شراء الذمم وتوجيه فئات اجتماعية نحو الاحتجاج، أو خلق معارضات مصطنعة، وتنفيذ عمليات اختطاف، ونشر بؤر اللهو والدعارة، وتعميم أنماط الفساد في الفضاء العام.
على المجتمعات مسؤولية إطلاق حملات توعوية واسعة النطاق تجاه فئة الأثرياء الذين يكدّسون ثروات ضخمة خارج أي وظيفة اجتماعية أو اقتصادية منتجة. وتركّز هذه الحملات على المطالبة باستعادة تلك الأموال وضمّها إلى خزائن الدول، والاكتفاء بحدود معيشية معقولة تشمل مساكن محدودة، ومركبات قليلة، ورصيدا ماليا معتدلا، بعيدا عن مظاهر البذخ المفرط. ويستدعي ذلك فرض ضرائب تصاعدية عالية على الثروة والترف الاستعراضي وتقنين المشتريات الكمالية التي تفتقر إلى جدوى مجتمعية.
وعند عودة هذه الأموال إلى خزائن الدول، يُعاد توظيفها في مشاريع استثمارية تخدم الصالح العام، وتسهم في إنعاش اقتصادات أرهقها الاحتكار المالي. فقد شهدت دول عديدة تراجعا اقتصاديا حادّا نتيجة تمركز الثروة في أيدي فئة محدودة من الرعية، ما أدى إلى حرمان الخزينة العامة من مواردها الأساسية. وحتى عند توجيه هذه الثروات نحو الاستثمار، فإن عائدها ينحصر في مصلحة المستثمر وحده، بينما تحصل الدولة على حصّة هامشية ضئيلة قياسا بالأرباح الشخصية الطائلة. تتحرّك هذه الفئة بمنطق يجعل المال أداة سيطرة شاملة قادرة على اختراق السياسة والمجتمع معا، وفرض حضورها القسري على الجميع.
ويشكّل تركز هذه السيولة الهائلة تهديدا مباشرا لبنية الدولة، وخطرا موازيا على المواطن البسيط الذي يخضع لتأثيرات اقتصادية وسلوكية موجّهة، فتتحوّل حياته اليومية إلى ساحة تحكّم غير مرئي.
على الدول أن تتحمّل مسؤولية استعادة هذه الثروات ودمجها في الخزائن العامّة، ثم توجيهها نحو مشاريع استراتيجية كبرى تسهم في تعزيز الاستقرار الاقتصادي، وتدعم التنمية الشاملة، وتعيد التوازن بين المال والسلطة والمجتمع. وضع ضوابط صارمة تحول دون تشكّل سلطة موازية داخل الدولة، سلطة المال التي تأتي بعد سلطة العسكر، وغالبا ما تتفوّق عليها في التأثير والامتداد. فحين تغدو الثروة قوة مستقلّة، يصبح القرار السياسي عرضة للتوجيه غير المباشر، ويمسي الاستقرار رهينة لمصالح مالية ضيقة.
تقدّم بعض النماذج العالمية دلائل صارخة على حجم الإشكال، ففي كوريا الشمالية يجري ربط ثروات الأثرياء مباشرة بالدولة والحزب، وتوظّف في تمويل البرامج العسكرية والنخبة الحاكمة، مقابل منحهم حماية وامتيازات استهلاكية تحت رقابة صارمة. هنا تتحوّل الثروة من تهديد للنظام إلى أداة في يده، وإن كان ذلك على حساب العدالة الاجتماعية والحرية الفردية للشعب. ويظلّ هذا النموذج مثالاً على الضبط القسري للثروة، لا على العدالة الاقتصادية، لكنه يكشف قدرة الدولة على تحجيم المال حين تعتبره تهديدا سياديا.
ويعكس امتلاك مجموعات كبيرة من السيارات الفاخرة أو أساطيل من اليخوت والطائرات الخاصة تراكما استعراضيا للثروة دون مردود عام، سواء لدى بعض رجال الأعمال أو لدى عائلات حاكمة أو مليارديرات التكنولوجيا. ويحول هذا النمط من الإنفاق المال إلى وسيلة تبذير وتلاعب، كما يظهر في مظاهر عبثية مثل استخدام الألماس والمعادن الثمينة في أدوات استهلاكية، في وقت تقتضي فيه المصلحة العامة توجيه هذه الموارد نحو أولويات مجتمعية حقيقية.
وتفرض المصلحة الوطنية توجيه هذه الأموال نحو إنشاء شركات ومؤسّسات سيادية، وبناء صناعات استراتيجية تسهم في النهوض بالاقتصاد الوطني، وتعزّز الاكتفاء الإنتاجي، وتخلق فرص عمل مستدامة.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلّب إرادة سياسية وجرأة تشريعية، ترتكز على إيقاف هذا التدفّق غير المنضبط للثروات التي جرى تبريرها بخطاب الإرث العائلي، مع أن مسارات تراكمها ارتبطت بشبهات متعدّدة. ويستدعي ذلك استرجاع هذه الأموال إلى خزائن الدولة، وإخضاع أصحابها لإجراءات شفافية قسرية تشمل فتح الأرصدة، وإحصاء ممتلكاتهم، وحصر عقاراتهم، وكل ما يتّصل بالبنية المالية لهذه الثروات. فاستمرار هذا الواقع يؤدي إلى تشظّي السلطة داخل الدولة، حيث يصبح المال مركز حكم فعلي ومؤثر. وتبرز الهند مثالا دالا، إذ تمتلك عائلة هندية واحدة تنشط بشكل أساسي في قطاعات الطاقة وتجارة التجزئة والاتصالات ثروات تفوق حجم اقتصادات دول عربية مثل العراق بواقع 267 مليار دولار، وقطر بنحو 219 مليار دولار، والجزائر بما يقارب 206 مليار دولار، وتعادل قرابة عشر الناتج المحلي الإجمالي للدولة الآسيوية.
هذه القوة المالية تمنح قدرة على:
· توجيه السياسات العامة،
· فرض الرؤى الاقتصادية على مؤسّسات الحكم،
· تمويل تشكيلات شبه عسكرية،
· التسبّب باهتزاز الاقتصاد الوطني في حال انسحابها من السوق.
تستوجب هذه المخاطر فرض ضرائب تصاعدية عالية على الثروة والترف الاستعراضي وتحديد سقف للملكية الفردية والعقارات غير المنتجة، وإخضاع هذه الفئة للمساءلة الصارمة، خاصة حين ترتبط الثروات بشريان الاقتصاد ومنابع التكنولوجيا، مثل مناجم المعادن الثمينة، أو آبار وحقول نفط. فقد أسس بعضهم إمبراطوريات طاقوية تقدّر بمليارات الدولارات، وأصبحوا من كبار منتجي النفط البرّي في الولايات المتّحدة، بينما انتقل آخرون من امتلاك بئر غاز قديم إلى السيطرة على أكثر من ستين ألف بئر نفط وغاز عبر شركاتهم. كما يمتلك العديد منهم شركات استكشاف وإنتاج أو حصص سيطرة واسعة، باعتبارها أصولا تجارية ضخمة.
وتعدّ الشركات الطاقوية والموارد الطبيعية جزءا من الملكية السيادية للدولة والشعب، وتمثّل ثروة جماعية ذات بعد استراتيجي. ويغدو احتكارها الفردي خللا بنيويا يهدّد العدالة الاقتصادية، ويقوّض وحدة القرار الوطني، ويضعف سيادة الدولة على مقدراتها الحيوية.
كما تندرج الخصخصة غير المنضبطة، وشركات الاستيراد والتصدير، ضمن بؤر الخلل التي تستدعي رقابة صارمة وعقوبات رادعة، وفرض استقطاع سيادي مرتفع من أرباحها، نظرا لما تمارسه من تهريب ممنهج للأموال نحو الخارج، بما يستنزف الاقتصاد الوطني ويعزّز اقتصادات أخرى على حسابه. تستوجب هذه الوقائع أن تبقى أدوات الضبط الاقتصادي بيد الدولة حصرا، باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على إدارة الأزمات وضمان الاستمرارية. وقد أدى تحويل المؤسّسات الاستراتيجية إلى القطاع الخاصّ إلى إفلاس مؤسّسات عمومية كانت تضطلع بدور اجتماعي واقتصادي حيوي. ويتحرّك الفاعل الخاصّ بمنطق ادخاري ربحي ضيّق، بينما تقوم الدولة على مبدأ التدبير الشامل وإيجاد الحلول الجماعية.
فحين تنخفض أسعار السلع لدى الخواص، يجري التخلّص منها بإلقائها أو إتلافها حفاظا على الربح، كما يحدث في بعض قطاعات الصيد البحري، حيث يعاد السمك إلى البحر بدلا من توجيهه إلى الاستهلاك الشعبي. أما الدولة، فتتعامل مع الفائض بمنطق إعادة التوزيع، عبر تحويله إلى مؤسّسات أخرى، أو توجيهه إلى الفئات المحتاجة، أو إدماجه في شبكات الدعم الاجتماعي، بما يضمن تصريف الموارد وعدم هدرها.
ويبلغ التناقض ذروته في أنماط العيش الاستعراضية، حيث تقام القصور المطلية بالذهب، وتصنع السيارات من الذهب، وتفرش الكراسي بالذهب، وحتى المرافق الصحية تتحول إلى أدوات بذخ مفرط. ويثير هذا المشهد سؤالا جوهريا حول معنى القيمة وجدوى هذا التكديس، إذ تؤدي السيارة الذهبية الوظيفة ذاتها التي تؤديها السيارة العادية، ويقود كلاهما إلى الوجهة نفسها. وتستوجب هذه الممارسات مصادرة هذه الثروات وإدماجها في خزائن الدولة، بما يسهم في دعم العملات الوطنية، وتعزيز قيمتها، وترسيخ الاستقرار المالي. فالإسراف في استهلاك الموارد وتحويل المال إلى وسيلة استعراض يمثل تسويفا للثروة العامّة، ويكرّس خللا عميقا في توزيع الموارد، ويقوّض أسس العدالة الاقتصادية والاجتماعية.
بات الثراء الفاحش شأنا سياديا يمسّ الأمن القومي من الداخل، ويتقدّم في خطورته على تهديدات خارجية عديدة. ويأتي ضبطه بإعادة مفهوم واعي للحرية الاقتصادية ضمن إطار العقد الاجتماعي، حيث تتأسّس الحرية على حماية استقرار ملايين البشر وصون مصير الأوطان، وتغدو المصلحة العامة معيارا أعلى لتنظيم الثروة والنفوذ.
المطلوب اليوم هو عقد اجتماعي جديد يضع حدودا فاصلة بين:
· الملكية المشروعة والاحتكار الفاحش،
· النجاح الاقتصادي والهيمنة السياسية،
· حرية الكسب وحرية تدمير الوطن.
،؛، الدولة التي تعجز عن ضبط قوة المال داخلها، تتنازل طوعا عن جزء من سيادتها، وتُمهّد لأزماتها المقبلة. إنها معركة بين سيادة الدولة وسلطة المال المطلق، وعلى الدول أن تختار موقعها في هذا الامتحان المصيري
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.