لماذا أفرج عن وثائق جزيرة إبستين الآن؟ … بقلم: د.حكيمة جعدوني

صورة
0

لماذا أفرج عن وثائق جزيرة إبستين الآن؟

بقلم: د.حكيمة جعدوني    

تحليل سياسي استراتيجي

ينصرف السؤال الجوهري عن وثائق جزيرة إبستين من مضمون ما تحمله، إلى دلالة توقيت الإفراج عنها.
فالتسريبات الكبرى في عالم السياسة تؤدّي وظيفة محدّدة داخل صراعات النفوذ، ورسائل دقيقة موجّهة بعناية إلى أطراف بعينها وفق حسابات مدروسة.
لماذا اختيرت هذه المرحلة للإفراج عن وثائق جزيرة إبستين؟
قبل الخوض في دلالات التوقيت، يبرز سؤال محوري: من هو جيفري إبستين؟ وما طبيعة الدور الذي ارتبط باسمه وأثار هذه الضجّة المتجدّدة؟
وفق هذه القراءة التحليلية في آليات مساءلة السلطة، يُنظر إلى إبستين كوظيفة داخل نطاق أوسع. شخصية جرى توظيفها كعميل متدرّب في شبكات استخبارات الموساد الصهيوإسرائيلي. تمحور هذا الدور حول جمع المعلومات الحسّاسة وإدراجها ضمن منظومات الابتزاز الأخلاقي. في هذا السياق، يظهر إبستين باعتباره وسيطا وأداة، أُعدّت لاختراق منظومات القرار ومفاصل النخب السياسية والاقتصادية والإعلامية. يعتمد على استدراج الشخصيات النافذة في فخاخ أخلاقية، ثم تحويل تلك الانتهاكات إلى أوراق ضغط دائمة. وجاء حضوره العلني محكوما بهويّة صادمة، محاطة برموز الانحراف الجنسي والطقوس الغامضة، شملت الترويج لصور مرتبطة بالماسونية وعبادة الشيطان. فكان يعرض نفسه على أنه شخصية بيدوفيلية ومثلية في إطار آلية استقطاب واختبار لصُنّاع القرار المستهدفين.
في هذا الإطار، لعب إبستين على ما يمكن تسميته “الوتر الحسّاس” للفئة المنتقاة وهي الطبقة القيادية والمتحكّمة، ولعب على الرغبات المكبوتة، الطموح إلى السلطة، والخوف من الفضيحة. كان يسافر للكثير من الأماكن ويلتقي بالعديد من الشخصيات المشهورة ويقدّم نفسه كمن يملك مفاتيح الوصول لقمّة هرم السلطة، ويُلمّح إلى قدرته على تسهيل الصعود نحو السلّم السياسي والاقتصادي، مقابل الانخراط في علاقات مغلقة محكومة بالتبعية.
أما الجزيرة التي ارتبط اسمه بها، فهي ليست ملكية شخصية، وإنما هي مساحة عمليات منظّمة، تشكّل تمويلها من مساهمات نخبوية ضمّت زعماء ورؤساء وشخصيات نافذة، سعوا إلى تحصين مواقعهم، وعزل ممارساتهم في فضاء مغلق، بعيدا عن رقابة الرأي العام، وتحت إدارة إبستين كمركز يتحكّم باللعبة.
في هذا الصدد، يأخذ الإفراج عن الوثائق طابعا سياسيا استراتيجيا. يرتبط هذا الحدث بتحوّلات عميقة في بنية النظام الدولي، وبصراعات داخل مراكز النفوذ المعروفة بالدولة العميقة، حيث تستخدم الفضائح لإعادة توزيع الولاءات، وإزاحة شخصيات فقدت وظيفتها، وتوجيه رسائل تذكير بأن موازين الحماية تخضع لمنطق القوة والمصلحة.
قام إبستين بترتيب نظام مغلق يتيح للحكّام السفر إلى الجزيرة والحصول على شهوات وما يرغبون، وفق شروط محدّدة. من بين هذه الشروط التزام كل حاكم، مهما كانت دولته، بالمساهمة المباشرة في تغذية هذه المنظومة. سواء كان الحاكم أمريكيا، بريطانيا، مغربيا، أو من أي دولة أخرى، كان عليه أن يقدّم جزءا من الثمن. لم يقتصر هذا الثمن على المال فقط، ولكن شمل البشر أنفسهم. فكل زيارة للجزيرة ارتبطت بتزويدها بعدد من الأطفال، من اللقطاء أو المختطفين أو مجهولي المصير. كان العدد يختلف بحسب موقع الحاكم ونفوذه؛ فحاكم من دولة ما يرافقه عشرة أو عشرون طفلا، بينما يلتزم حاكم دولة كبرى بعدد أكبر، ذكورا وإناثا، وفق الطلب. بهذا الشكل، باتت الجزيرة منظومة تمويل مزدوجة: أموال تدفع، وأطفال يقدّمون.
في المرحلة الأولى، ساهمت هذه القلّة المهيمنة في تمويل شراء الجزيرة. ثم انتقلت إلى مرحلة التنظيم والتجهيز، حيث جرى إعداد المكان ليؤدي وظيفته بكفاءة عالية. بعد ذلك، استقرّت هيكلة التمويل الدوري، تحمل اسم كل حاكم مشارك، وتدار عبر قنوات خاصة بعيدة عن أي رقابة.
أرسل الأطفال إلى الجزيرة على دفعات منظّمة، كما تكفّلت مجموعات متخصّصة برعايتهم، وغرس الانضباط النفسي والجسدي، وتنسيق مظهرهم وهندامهم بما يتناسب مع المتطلّبات المحدّدة لكل زائر من الحكّام. وعند وصول هؤلاء، كان كلّ شيء معدّا بعناية، مصمَّما لتلبية رغباتهم المشوّهة، مع ضمان سير العمل بانضباط تام واستدامة النظام، وخلق أجواء من الانصياع والسريّة التامّة.
كان وجود إبستين بمثابة تجسيد للنوايا المظلمة في نفوس هؤلاء الحكّام الذين تسيطر عليهم ميول مريضة وخبيثة، حيث انبثقت النزعات الشيطانية الكامنة داخلهم. وكان عليهم تقديم الأطفال كقرابين، توجّه إلى الشيطان كقوة ظلامية. وقد لعب إبستين دور الوسيط المركزي، الرابط بين هؤلاء الحكّام والكيان الشيطاني الذي يمثّل المصالح الصهيوإسرائيلية، والتي استفادت عبر آليتين متزامنتين: أولاهما الحصول على البركات من طقوس القرابين، حيث كانت القوى المظلمة تمنحهم أسحارا للطاعة، وثانيتهما استقطاب التمويل المالي من هؤلاء الحكّام، بعد تلبّية نزواتهم ورغباتهم المريضة وضمان استمرار هيمنة الشبكة.
يمثل هذا الشخص تجسيدا حيّا للشيطان، يتحدّث باسمه ويمارس كل الأفعال المحرّمة التي تصدم الضمير البشري. ومن هو هذا الكيان الشيطاني؟ إنه بعل المعروف، الذي تُقدّم له قرابين الأطفال، الدجّال الأعور الذي يهيمن على النفوس والسلطة، وليس إبليس، إذ أن هذا الأخير لا يتدّخل في هذه الممارسات بشكل مباشر كما يفعل الدجّال.
بعد جمع هذه الوثائق والفيديوهات والصور، كان حضور الزعماء والمسؤولين والحكّام على وعي تام بما يحدث، فقد التقطوا الصور عن قصد، ويظهر ذلك بوضوح في الفيديوهات والصور المسرّبة، إذ يتّجهون مباشرة نحو الكاميرات برضاهم وهم يراقبون من يصوّرهم.
هدف الصهيوإسرائيلي من وراء كل هذا متعدّد الأبعاد؛ فهو أولا آلية ضغوط محكمة على السلطة، وثانيا أداة لإحداث فوضى منهجية داخل الأنظمة، وزعزعة استقرارها وإسقاط القيادات، بينما تبقى سيادة إسرائيل الأممية قائمة، مهيمنة على المشهد العالمي.
من خلال هذه الشبكة، يرسم النظام العالمي الجديد بقيادة شخصية محورية، وهو ذاته الشخص الذي أُشيع عن رفضه زيارة الجزيرة، إيلون ماسك، في موقف يعكس قوة النفوذ والتحكّم المباشر.
تُروِّج بعض السرديات لفكرة أن حكّام الصين وروسيا وكوريا وغيرها، إلى جانب دول أخرى، ابتعدوا عن جزيرة إبستين وطقوسها. وهذا الطرح ما هو إلا جزء من مخطّط أشمل يهدف إلى إعادة تقسيم العالم إلى معسكرين متقابلين: محور تقوده إسرائيل وحلفائها، وآخر تتزعمّه الصين بدعم من دول تصطفّ في فلكها.
في هذا الإطار، يظهر الدجّال كقوة تعيد شطر العالم إلى مصراعين؛ راية تُرفع باسم “النظام العالمي الجديد”، وجبهة تُصوّر على أنها في مواجهته. التحليل المتعمّق يكشف عن مشهد أكثر تعقيدا، حيث تتحرّك جميع الأطراف تحت الطاولة ضمن البنية ذاتها، وتؤدي أدوارا متكاملة، تحت منظومة واحدة، بينما تتبدّل الواجهات وتبقى القواعد الحاكمة ثابتة.
الدجّال دائما ما يهيّئ لنفسه معاقل مغلقة، وجزيرته المعلنة تمثّل بوصلته ومسرحه، حيث يلتقي به أتباعه ويخضعون لإرادته. جزيرة جيفري إبستين تتجلّى هنا كرمز لجزيرة الدجّال، التي ذكرها محمد الرسول، منصّة لتحريك الشبكات السريّة للنفوذ والسيطرة. هؤلاء الضالعون في الطقوس والأعمال المظلمة وفعل المحرّمات يعرفون أن مساءلتهم لن تكون، وأن الوثائق، والصور، والفيديوهات التي تُسرّب، هي أدوات تؤدي دورا تكتيكيا لا أكثر. وفي نهاية المطاف، يجدون ملاذهم في إسرائيل الأم، حيث الحصانة والراحة والطمأنينة، كما حدث سابقا مع الشخصيات التي نجت من المحاسبة العامة، مثل المغني ديدي، وسيكشف التاريخ أن موقع النفوذ والملاذات الآمنة هي إسرائيل والتي تمثّل جزءا أساسيا من لعبة السلطة والهيمنة.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.