السدير مسعود و«عين سحرية»… كيف تحوّل الكاميرا إلى لغة نفسية تروى ما لا يقوله الحوار
إخراج لا يكتفي بالسرد… بل يخلق المعنى داخل الكادر
بقلم _ أمجد زاهر
في موسم درامي مزدحم بالصورة السريعة والبهرجة البصرية، يبرز المخرج السدير مسعود كأحد أبرز صناع الصورة الذين يراهنون على المعنى قبل الإبهار، وذلك من خلال بصمته الواضحة في مسلسل «عين سحرية».
لم يعتمد مسعود على الإخراج بوصفه عملية تسجيل للأحداث، بل تعامل مع الكاميرا كأداة تحليل نفسي، تُترجم ما بين السطور، وتكشف ما يخفيه الحوار.
أحد أبرز أساليبه الإخراجية يتمثل في وضع الشخصية الرئيسية في زاوية الكادر، يمينًا أو يسارًا، وترك مساحة فراغ كبيرة تحتلها قطعة ديكور أو عنصر بصري محدد.
هذه التقنية ليست مجرد اختيار جمالي، بل تُعرف في لغة السينما بوصفها شكلًا من «الاستباق البصري» أو الـ Foreshadowing، حيث يتحول الفراغ إلى رمز لما سيحدث لاحقًا، أو انعكاسًا لحالة الوحدة والتهديد التي يعيشها البطل.
«سيميولوجيا الصورة»… عندما يتحول كل عنصر إلى رمز
يُظهر السدير مسعود فهمًا عميقًا لما يعرف بـ«سيميولوجيا الصورة»، أي استخدام العناصر البصرية كرموز تحمل معاني نفسية ودرامية.
ففي أحد المشاهد اللافتة، يقف الفنان عصام عمر أمام مكتب المحامي الذي يجسده باسم سمرة، بينما تحيط بهما صور وديكورات موضوعة بعناية.
هذه الصور لا تؤدي دورًا زخرفيًا، بل تتحول إلى «موتيف بصري» يعكس الصراع الإنساني بين الشخصيتين، ويشير إلى طبقات خفية من العلاقة تتجاوز الحوار المباشر.
هذا الاستخدام الذكي للديكور والإضاءة يؤكد أن المخرج لم يترك عنصرًا واحدًا دون وظيفة درامية، بل حوّل كل تفصيلة إلى جزء من بنية السرد.
تفكيك النص… وإعادة كتابته بالصورة
ما يميز تجربة مسعود أيضًا هو قدرته على «تفكيك» النص الذي كتبه المؤلف هشام هلال، ثم إعادة صياغته بصريًا.
قد يكتب السيناريست جملة قصيرة أو فكرة عابرة، لكن المخرج يحولها إلى صورة مركبة تحمل طبقات متعددة من المعنى.
هذا ما يظهر في مشاهد عديدة، حيث تُترجم الحالات النفسية للشخصيات من خلال التكوين البصري، دون الحاجة إلى حوار مباشر.
وهنا تتجلى عبقرية الإخراج الحقيقي: القدرة على قول ما لا يُقال بالكلمات.
تقنية «الإطارين»… التعبير عن المسافة النفسية
في مشهد آخر بالغ الرهافة، يقسم مسعود الشاشة بصريًا إلى إطارين منفصلين، حيث يتحرك عصام عمر داخل مساحة بصرية مستقلة، بينما تظهر البطلة التي تجسدها جنا الأشقر في إطار موازٍ. هذا الفصل البصري يعكس المسافة النفسية بين الشخصيتين، ويُترجم حالة الاغتراب العاطفي التي تعيشانها.
هذا الأسلوب، المعروف باسم «Two Frames Composition»، يعكس وعيًا إخراجيًا متقدمًا، حيث تتحول الكاميرا إلى مرآة للحالة الداخلية، وليس مجرد وسيلة تسجيل.
القاهرة بطلة صامتة… ووسط البلد في صورة غير مألوفة
من أبرز إنجازات العمل أيضًا تقديم مدينة القاهرة، وخاصة منطقة وسط البلد، بصورة مختلفة. لم تظهر المدينة كخلفية تقليدية للأحداث، بل ككيان حي يحمل روحًا وذاكرة.
الكاميرا التقطت تفاصيل الشوارع والعمارات القديمة بزوايا غير مألوفة، مانحة المكان بعدًا نفسيًا يوازي رحلة الشخصيات. أصبحت القاهرة جزءًا من الدراما، لا مجرد موقع تصوير.
الصوت والموسيقى… عناصر توازي الصورة قوة وتأثيرًا
لم تقتصر قوة العمل على الصورة وحدها، بل امتدت إلى تصميم الصوت والموسيقى التصويرية التي وضعها الموسيقار خالد الكمار.
الصوت هنا ليس خلفية، بل عنصر درامي يضيف توترًا وإيقاعًا، ويعزز الحالة النفسية لكل مشهد.
الانسجام بين الصورة والصوت خلق تجربة حسية متكاملة، حيث يعمل كل عنصر لخدمة المعنى.
إخراج يبتعد عن التقليد ويؤسس لغة خاصة
ما يجعل تجربة السدير مسعود لافتة هو تخليه عن التقليد المباشر للمدارس الأمريكية التي تعتمد على البهرجة البصرية، مقابل التركيز على العمق الفني.
اختار مسعود أن يؤسس لغته الخاصة، القائمة على الرمزية والتكوين المدروس.
في «عين سحرية»، لم تكن الكاميرا مجرد أداة، بل أصبحت «عينًا» تكشف الخفي، وتمنح المشاهد فرصة قراءة الصورة كما لو كانت نصًا موازيًا.
خلاصة: عندما يصبح الكادر نصًا موازيًا للسيناريو
يؤكد «عين سحرية» أن الإخراج الحقيقي لا يقتصر على إدارة الممثلين، بل يمتد إلى خلق لغة بصرية مستقلة.
نجح السدير مسعود في تحويل كل كادر إلى لوحة مدروسة، وكل فراغ إلى معنى، وكل عنصر بصري إلى رسالة.
إنها تجربة تؤكد أن الصورة، عندما تقع في يد مخرج يمتلك رؤية، يمكن أن تصبح أكثر بلاغة من الكلمات.

