بقلم: ريهام طارق
حين لا يكون الحب اختبارا مُرهقًا للصبر، بل سكينة تؤوي القلوب و ملاذًا وارفًا للطمأنينة… تغدو الأرواح في ظلاله آمنة، كأنها عادت إلى موطنها الأول، فتهدأ بعد قلق، و تتحرر من أسر السعي الدائم لإثبات ذاتها، وفي رحاب علاقة آمنة، لا حاجة لك أن تقاتل فيها من أجل البقاء، بل حضور هادئ يكفي ليُبقيك.
وفي زمنٍ باهت الملامح، تتأرجح فيه القلوب بين خيباتٍ موجعةٍ وآمالٍ مُعلَّقة، وتتجاذب الأرواح بين قُربٍ يستنزفها و بُعدٍ يضاعف وجعها، تأتي العلاقات الشافية كاستراحةٍ رحيمة لروحٍ أنهكها التيه، و كملاذٍ دافئ يعيد ترتيب الفوضى في داخلنا، هناك، عند ذلك المرفأ الآمن، ترسو سفننا المُثقلة بالأحزان والخذلان، فتخلع عنها خوف الغرق، وتكفّ عن ارتجافها أمام العواصف.
علينا أولا أن ندرك أن ليس كلُّ ما نُبحر فيه من علاقات يكون حبًّا حقيقيا، ولا كلُّ قُربٍ يورث الأمان، فكم من روابطٍ أثقلت القلب همًّا وحزنًا، وإن تزيّنت ببداياتٍ مُشرقةٍ أعمت بريقها الأبصار عن علاقات سوية قادرة على ترميمنا برفق.
وتلك هي العلاقات الشافية، هادئة في جوهرها، لا صخب فيها ولا شقاء، صافية كالمياه العذبة، ونقيّةٌ كنسيم الفجر، لا ترى فيها إلا منبعًا للطمأنينة، تجد نفسك خلالها كما أنت، بلا حاجةٍ إلى ارتداء أقنعةٍ زائفةٍ لإرضاء الآخر، أو انتقاء كلماتك بحذرٍ خشيةَ إساءة الفهم، أو الخضوع لمحاولات التشكيل وفق أهواء غيرك.
في العلاقات الشافية، يُسمح لك أن تُخطئ دون أن تُدان، وتُمنح الأعذار حين تخطئ، ويُتاح لك أن تُظهر ضعفك دون خوفٍ من سخريةٍ أو انتقاص، يمكنك أن تتكئ فيها على كتف الآخر دون أن تُثقل كاهلك عبارات اللوم، أو تُطاردك أسئلة القسوة: لماذا لا تقوى وحدك؟
وأبطالُ هذه العلاقات هم أولئك الأسوياء الذين خاضوا معاركهم بشجاعة، وخرجوا منها أكثر وعيًا بأنفسهم، لا ليُواروا ندباتهم، بل ليتصالحوا معها، لا يأتونك مكتملين، لكنهم يأتون صادقين، معترفين بنقاط ضعفهم، غير مُنكرين تجاربهم القاسية، ولا يُحوّلونها إلى سيوفٍ مُشهَرةٍ في وجه من يُحبّون، بضمير مطمئن يحمل حجج واهية لتبرير أذاهم.
أسوياء لا يُربكك حضورهم، ولا يُثقلون القلب بثورات غضبهم، بل يأتي حضورهم كنسيمٍ هادئ، لا يحمل تهديداً دائمًا بالغياب لا يُجبرونك على قراءة ما بين السطور، لأنهم يضعون الحقيقة أمامك واضحة، بلا ألغاز ولا ألاعيب سامه، وإن أخطأوا، اعترفوا و اعتذروا… لا لإنهاء الموقف فحسب، بل لإصلاح ما انكسر، وصون ما تبقى من ودٍّ ومحبة.
في حضرة العلاقات الشافية، يحدث في داخلك أمرٌ أشبه بالمعجزة… تستعيد نفسك القديمة التي أرهقها الركض.. تعود تلك النسخة التي أنهكتها محاولات الفهم والبحث عن الأمان بين القلوب القاسية، لا تحتاج فيها أن تثبت أنك جدير بالحب، لأنهم ببساطة يعطوك اليقين انك تستحق الحب
العلاقات الشافية لا تُرهق القلب، بل تُهذّبه، ولا تُشعل القلق، بل تُطفئ جذوته، ليست خالية من الخلاف، لكنها خالية من الإيذاء، تعبر فيها عن ألمك دون خوف من استغلال، ويُحتضن ضعفك دون أن يهان أو يحتقر.
العلاقات الشافية تُعفيك من خوض معارك من أجل البقاء تُرشدك كيف تعيش بسلام، دون رهبة من رحيل يتربص بك مع كل فجر جديد، علاقة لا تدعك أسير الأسئلة: هل يحبني؟ بل تمنحك يقينا يغنيك عن السؤال.
ولعل أعظم ما في العلاقات الشافية أنها لا تشبه صخب حياتنا ولا اندفاعها الذي اعتدناه، بل تأتي هادئة… ثابتة… كأنها استثناء جميل في زمن الفوضى، حيث أصبح الأمان عملة نادرة، والطمأنينة نعمة لا تقدر.
في النهاية، العلاقات الشافية ليست ترفا يمكن الاستغناء عنه، بل ضرورة تعيد للقلب اتزانه… فالقلب، مهما اعتاد الألم، لم يخلق إلا ليطمئن.. فابحث عنها.. أبحث عن العلاقات الشافية.
ريهام طارق
نبذه عن الكاتب:
ريهام طارق صحافية مصرية من أصول لبنانية، متخصصة في الأخبار الفنية والثقافية، أجرت حوارات صحفية مع نخبة من أبرز نجوم الفن في الوطن العربي، وتشغل حاليًا منصب مساعد رئيس التحرير ورئيس قسم الفن بمؤسسة [اليوم للإعلام] التابعة للهيئة الوطنية للإعلام، والتي تضم عددًا من الإصدارات الصحفية، من بينها جريدة أسرار المشاهير، اليوم الدولي، أخبار مصر 24، وجريدة تريندات العالم في جمهورية مصر العربية.
انطلقت مسيرتها المهنية من المملكة العربية السعودية،عبر جريدة [إبداع] في الرياض، قبل أن تنتقل للعمل في عدد من المؤسسات الإعلامية الكبرى في الوطن العربي، من بينها جريدة [الثائر] وجريدة [المغرد] في لبنان، وجريدة [النهار] في المغرب، ومجلة [النهار] في العراق، ومجلة [المحور] في الكويت.
كتبت ريهام طارق أيضا في مجال السياسة الدولية وأسواق المال الأمريكية والأوروبية، كما شغلت عضوية اللجنة الإعلامية للمهرجان القومي للمسرح المصري، وتعمل حاليًا على تقديم محاضرات متخصصة في الصحافة بمدينة مسقط سلطنة عمان.


