أحمد عدوية في «ذكرى رحيله» ظاهرة فنية غيّرت شكل الأغنية الشعبية

0

كتب: هاني سليم

تحلّ اليوم ذكرى رحيل الفنان الكبير أحمد عدوية، أحد أكثر الأصوات تأثيرًا في تاريخ الغناء الشعبي المصري، والرجل الذي نجح في أن يحوّل نبض الشارع وهموم الناس البسطاء إلى أغانٍ عاشت لعقود وما زالت تتردد حتى الآن. فقد غادر عدوية عالمنا في 29 ديسمبر 2024 عن عمر ناهز 79 عامًا، بعد رحلة طويلة مع المرض، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا استثنائيًا لا يمكن تجاوزه عند الحديث عن الأغنية الشعبية في مصر والعالم العربي.

من صعيد مصر إلى قلب القاهرة

وُلد أحمد محمد مرسي العدوي، المعروف فنيًا باسم أحمد عدوية، في يونيو عام 1945 بمحافظة المنيا بصعيد مصر، داخل أسرة كبيرة بسيطة مكوّنة من 14 أخًا وأختًا. نشأ وسط بيئة شعبية شكّلت وجدانه الفني مبكرًا، وجعلته قريبًا من الناس وقادرًا على التعبير عن مشاعرهم وأحلامهم بلغة يفهمونها.
وفي سن مبكرة، قرر عدوية الانتقال إلى القاهرة بحثًا عن فرصة حقيقية، لتبدأ رحلة كفاح شاقة لم تكن مفروشة بالورود. عمل في الغناء داخل المقاهي والأفراح الشعبية، خاصة في منطقة شارع محمد علي، التي كانت آنذاك مصنعًا حقيقيًا لاكتشاف المواهب الغنائية. هناك، صقل موهبته، واحتك بجمهور الشارع مباشرة، وتعلّم كيف يلامس قلوب الناس دون تكلّف أو تصنّع.

انطلاقة سبعينية صنعت التاريخ

مع بداية سبعينيات القرن الماضي، بدأ نجم أحمد عدوية يسطع بقوة، بعدما خرج من الإطار الضيق للأفراح والمقاهي إلى عالم الشهرة الواسعة. لم يكن صعوده تقليديًا، بل جاء مختلفًا وصادمًا في بعض الأحيان، إذ قدّم لونًا غنائيًا جديدًا يعتمد على البساطة والجرأة وخفة الظل، وهو ما جعله سريع الانتشار بين الجماهير.
وأصبح عدوية في وقت قياسي ظاهرة فنية حقيقية، تفرض نفسها على الساحة، رغم ما واجهه من هجوم وانتقادات من بعض النخب الفنية التي اعتبرت أغانيه خروجًا عن المألوف. إلا أن الجمهور كان دائمًا منحازًا له، معتبرًا إياه صوتًا صادقًا يمثّلهم دون تجميل أو ادعاء.

أغنيات من قلب الشارع

قدّم أحمد عدوية عشرات الأغاني التي تحولت إلى جزء أصيل من الذاكرة الشعبية المصرية، من أبرزها:
«زحمة يا دنيا زحمة»، «سلامتها أم حسن»، «بنت السلطان»، «يا حلاوة الدنيا»، «يا طير يا طاير»، وغيرها من الأغاني التي لم تكن مجرد أعمال غنائية، بل مرآة حقيقية لحياة الناس اليومية.
تميّز أسلوبه بالأداء العفوي والصوت القوي المميز، إلى جانب اختياراته للكلمات التي تلامس الواقع الاجتماعي والاقتصادي للطبقات البسيطة، ما جعله يُلقب عن جدارة بـ «صوت الشارع المصري»، بل واعتبره كثيرون الأب الروحي للأغنية الشعبية الحديثة.

بين النقد والاعتراف

رغم الشعبية الجارفة التي حققها، لم يسلم أحمد عدوية من الانتقادات، خاصة في بداياته، حيث وُجهت له اتهامات بإفساد الذوق العام أو الابتعاد عن القوالب الفنية الكلاسيكية. لكنه مع مرور الوقت فرض نفسه كحالة فنية لا يمكن تجاهلها، بل إن عددًا من الفنانين والموسيقيين عادوا لاحقًا للاعتراف بقيمته وتأثيره العميق في تطوير الأغنية الشعبية.

السينما.. حضور مختلف

لم يتوقف تأثير أحمد عدوية عند حدود الغناء فقط، بل امتد إلى عالم السينما، حيث شارك في عدد من الأفلام المصرية التي مزجت بين الغناء والتمثيل، وساهمت في توسيع قاعدة جماهيريته، وتعزيز حضوره كرمز شعبي أصيل في الثقافة المصرية.

حياة خاصة وإرث مستمر

على المستوى الشخصي، تزوج أحمد عدوية عام 1976، وأنجب أبناءً، من بينهم الفنان محمد عدوية، الذي سار على خطى والده، ونجح في أن يشق طريقه في عالم الغناء الشعبي بأسلوبه الخاص، مع الحفاظ على الروح التي ورثها عن والده.
وقد نعى محمد عدوية والده بكلمات مؤثرة عبر حسابه الرسمي على موقع فيسبوك، عبّر فيها عن حزنه العميق لفقدان والده، مؤكدًا أن اسمه سيظل خالدًا بما قدّمه من فن صادق ترك أثرًا لا يُمحى.

عدوية.. حكاية لا تنتهي

في ذكرى رحيله، لا يُستحضر أحمد عدوية كفنان فقط، بل كظاهرة اجتماعية وثقافية شكّلت وجدان أجيال كاملة. فقد كان صوته تعبيرًا حقيقيًا عن الناس البسطاء، وضحكتهم، وهمومهم، وأحلامهم، ما جعله حاضرًا حتى بعد رحيله.
ويبقى أحمد عدوية اسمًا محفورًا في تاريخ الفن المصري، وصوتًا لن يُنسى، مهما تغيّرت الأذواق وتعاقبت الأجيال.

المزيد: زينة تتصدر السوشيال ميديا بمنشورغامض.. تفاصيل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.