إيران، … الوجه الآخر للصراع في الشرق الأوسط
بقلم: د. حكيمة جعدوني
قراءة تحليلية
في مسار الأحداث الكبرى، تضع السياسة الدولية أمام العقل مفارقات ثقيلة، تدفع الفكر إلى مساءلة المشهد بدل الاكتفاء بتلقّي رواياته الظاهرة عبر الإعلام المسيطر عليه. ومن بين أكثر الأسئلة إلحاحا في الوجدان العربي والإسلامي، الموقف الإيراني من مأساة فلسطين.
أمام أعين العالم، ارتسمت على أرض غزّة فصول مأساة إنسانية ثقيلة الوطأة. غزّة عبرت سنوات دامية تكدّست فيها صور الفقد، أطفال خرجوا إلى الحياة تحت هدير القصف، عائلات أُخرجت من دفء البيوت إلى برد الخيام، مدن تحوّلت إلى ركام، ومستشفيات ومدارس وجامعات صارت في خبر كان. الآلاف من الضحايا، وأجيال كاملة كبرت وسط الحصار والجوع والدخان. مئات الآلاف من الأطفال، رجال ونساء وشيوخ، أشجار زيتون عتيقة إقتلعت من جذورها، يعجز العقل عن احتواء واحتمال حجم الكارثة التي حلٌت بالأرض المباركة وأهلها الفلسطينيين.
في تلك اللحظة التاريخية القاسية، بدا الامتحان الأخلاقي للحكومات التي ترفع راية نصرة المستضعفين وتتبنّى خطاب المقاومة.
غير أن السؤال الذي يتصدّر الواجهة والمتمثّل في طبيعة ردود الأفعال، وتفاوتها بين لحظة وأخرى. ظلّ الحضور العسكري الإيراني في حدود الخطاب السياسي والدعم المنعدم، بينما بقيت المجازر تتوالى على المدنيين في غزّة بلا توقف.
ثمّ فجأة، يتبدّل الإيقاع مع حادثة تتعلّق بشخصية قيادية متقدّمة في العمر عجوز تسعيني، لتندفع بعدها موجة من التصعيد العسكري والخطاب الانتقامي، وكأنّ ميزان الألم تحرّك في الاتجاه الصحيح.
هنا يبرز سؤال جوهري: كيف يفهم هذا التفاوت في كفّة ميزان العدل؛ بين حجم المأساة الفلسطينية من جهة، وحدّة التفاعل الإيراني مع حادثة فردية من جهة أخرى؟
الفارق هائل وأعيدها؛ بين حجم المأساة الإنسانية في فلسطين، وبين مستوى التحرّك العسكري الفعلي الإيراني الذي يمتلك قدرات عسكرية معتبرة.
العقل يقود إلى فرضية واحدة لا غير. والتي تتعلّق بطبيعة الصراعات في الشرق الأوسط، حيث تتداخل النفوذ والمصالح الاستراتيجية بين قوى إقليمية ودولية. في مثل هذه البيئات، تتحرّك الدول وفق حسابات دقيقة تتجاوز البعد العاطفي أو الإنساني، لتخضع لمعادلات الردع، وتوازنات القوى، وترتيبات النفوذ.
فدولة مثل إيران تزعم أن دينها الإسلام، تمتلك منظومات صاروخية متطوّرة، وبرامج عسكرية واسعة، وتقدّم ملحوظ في الاستخبارات والإعلام، تعدّ كقوة قادرة على تهديد أكثر من سبع جبهات في آن واحد، لا يظهر حضورها العملي في الميدان الفلسطيني. بينما يتبدّل المشهد بسرعة حين يتعلّق الأمر باغتيال شخصية فارسية قيادية أو حدث سياسي يخصّ دائرة النفوذ الإقليمي. كيف يظلّ الألم الفلسطيني الممتد على مدار سنوات خارج دائرة الرد العسكري المباشر؟
كيف تتأخر لغة القوة أمام مأساة جماعية، بينما تتصدّر سريعا في لحظة ترتبط بشخصية سياسية واحدة؟
هذا التفاوت في ردود الأفعال يدفع إلى قراءة أعمق لطبيعة الصراعات في الشرق الأوسط. ضمن هذا الإطار، يطرح المراقب للوضع الراهن احتمال وجود لعبة توازنات خفيّة تحكم تردّدات التصعيد والتهدئة، فحكومات الدول، أصبحت في كل الأحيان، تتحرّك وفق مصالحها الاستراتيجية للردع، حيث تحسب كل خطوة بميزان معقّد من الحسابات العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية، مما يسمح بإظهار العداء على مستوى الخطاب التعبوي الذي يخاطب الجماهير، ومستوى آخر خفيّ ترسم فيه حدود الاشتباك بدقة، حتى يبقى الصراع ضمن نطاق يمكن التحكّم في مآلاته.
هذا النمط من الصراعات عرفته السياسة الدولية مرارا عبر التاريخ؛ لأن في الظاهر يتحرّك بلهجة المواجهة، بينما تتولّى الحسابات الجيوسياسية العميقة رسم سقوف الحركة الفعلية لكل طرف.
كيف لقوة كقوة إيران، وهي تعلن امتلاكها وسائل الردع الكبرى، أن توفّق بين خطاب النصرة وبين صمتها المطبق أمام مأساة إنسانية بحجم فلسطين، جارتها المعذبة؟
سؤال يظلّ معلقا في فضاء الفكر السياسي، ينتظر إجابة يكتبها التاريخ أكثر مما يكتبها الإعلام.
فلسطينيون يحرقون ويسلخون وأطفال تباع جلودهم وأعضاءهم وعيونهم … أجساد تسحق تحت المدافع والقصف الإسرائيلي، وعائلات تدفن جماعيا… كل هذه الجرائم ولم تطلق إيران صاروخا واحدا في العمق الإسرائيلي لنصرتهم!!!
المزيد من المشاركات
إذ بدا المشهد مربكا إلى هذا الحد، فإنّ باب الريبة ينفتح تلقائيا أمام العقل الباحث عن الحقيقة. فالوقائع، تثير إحساسا بأن خلف الستار ترتيبا آخر للأحداث. ومن هنا يتولّد التساؤل: أهي مواجهة حقيقية، أم تمثيلية على مسرح واسع تتحرّك فيه القوى وفق سيناريو لمخطط مرسوم بعناية؟
يثير المشهد الإعلامي المعاصر تساؤلات إضافية، خصوصا مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى ميدان صناعة الصورة والخبر، حيث باتت الحدود بين الواقع والتمثيل الرقمي أكثر التباسا، الأمر الذي يدفع المتابع إلى الشكّ في طبيعة بعض المواد المتداولة عبر الفضاء الإعلامي المفبرك.
فالضمير الإنساني، حين يرى مئات الأطفال يعيشون بين الجوع والنار، يتحرّك ضميره بدافع الفطرة. رضّع خرجوا إلى الحياة في لفافات القماش وسط القصف، عائلات عاشت على أعشاب الأرض، وأيد كانت تعجن التراب ليغدو شبيها بالدقيق. بشر تحت المطر والبرد، تحت هدير الطائرات والركام . هذا المشهد الإنساني يكفي وحده ليوقظ في أي قوة تملك السلاح الكافي التحرّك بدافع النصرة أو روح الانتقام. غير أنّ المفارقة تظهر فجأة مع حادثة تتعلّق بشخصية واحدة متقدّمة في العمر،
خامنئ العجوز الحيّ الميت، فيندفع بعدها سيلٌ من التصريحات والتصعيد، وتستحضر القوة العسكرية بكامل أدواتها.
إيران تقول أنها تملك قدرات هائلة، وصواريخ عابرة للقارات، تستطيع أن تمسح واشنطون بكبسة زر أو تضرب إسرائيل فتنهيها من على الوجود. القضية هنا، متلاعب فيها، إيران لم تفعّل صواريخها لمساعدة غزّة الجريحة، لأن أمريكا وإسرائيل وإيران جميعهم متفقون، على أن تضرب إيران تلك الدول العربية التي إسرائيل تريدها. والمسوّمة بخريطة إسرائيل الكبرى.
الهدف من مسرحية موت خامنئ
هو مساعدة إسرائيل على إسقاط تلك الدول التي ستستحوذ عليها…
• عند الانتقال إلى الوجه الثاني من المشهد، تتّسع دائرة التساؤل لتلامس بنية الصراع الإقليمي ذاتها. فالقوة العسكرية الإيرانية، بما تحمله من منظومات صاروخية وبرامج تسليحية متطورة بما في ذلك حيازتها على القنبلة النووية، تفسّر مسار تشكّل هذه القدرة عبر العقود، وحول القوى الدولية التي أسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط. ألا وأن أمريكا نفسها من خلف الكواليس هي من تحرّك وتقذف بتلك الصواريخ على الدول العربية المقصودة من أرض فارس وتحت تغطية إيرانية، ومع تصاعد التطوّر التكنولوجي في ميدان الإعلام، باتت ساحة المعلومات نفسها جزءا لا يتجزّأ من معركة النفوذ. فالصورة، والخبر، والمشهد المصوّر، جميعها تدخل اليوم في نطاق الحرب الإعلامية التي تسعى كل جهة من خلالها إلى ترسيخ روايتها الخاصة للأحداث. كما يحدث الآن وهم يردّدون إن إيران تضرب العمق الإسرائيلي، وكل ذلك كذب وزيف، لأن من يصوّر العمق الإسرائيلي ما هو إلا الذكاء الإصطناعي.
إن ما يجري في المنطقة يتّصل بمشروع جيوسياسي أوسع يتعلّق بإعادة رسم الخريطة الاستراتيجية الإسرائيلية للشرق الأوسط. فكرة إعادة تشكيل المجال الإقليمي بما يخدم مراكز القوة الدولية ومصالحها الطويلة الأمد.
وفي هذا الإطار، تفسّر سلسلة الحروب التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية، من العراق إلى سوريا، مرورا بلبنان وفلسطين باعتبارها حلقات في صراع نفوذ طويل تتداخل فيه الاعتبارات العسكرية مع المشروع الصهيوإسرائيلي.
ما يجري في هذه المرحلة أشبه بهجمة قاسية تتكاثف فيها مصالح ثلاثة أطراف فاعلة في المشهد الدولي والتي تشكّل محور الشرّ الثلاثي، الروم والفرس واليهود أعداء الاسلام، الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ذات المشروع السياسي الذي يتحرّك خارج الإطار الإلهي الجامع.
لماذا؟ لأن الوجدان الإسلامي يظلّ يستحضر نصرة الدين التي تقوم على رابطة العقيدة والإنسان، حيث تنهض الأمة في تصورها المثالي لنجدة أهل غزّة المسلمين المحاصرين، أولئك الذين يعيشون بين الجوع والقصف، ويكتفون أحيانا بجرعة ماء أو كسرة خبز تحفظ بقاءهم وسط الحصار الخانق.
إن التحرّك الإيراني اتخذ مسارا تصادميا مع الدين الإسلامي، إذ لم يظهر في لحظات الامتحان الكبرى حضور عسكري مباشر دفاعا عن المسجد الأقصى أو حماية لحرمة الأرض المقدّسة. ويضاف إلى ذلك الخلاف العقدي العميق الذي تشكّل عبر قرون بين المذاهب الإسلامية، حيث تتردّد في الخطاب الشيعي المتشدّد مواقف حادّة تجاه عدد من الصحابة، مع نزعة تقديسية لشخصيات إسلامية تاريخية مثل علي بن أبي طالب وعمر ابن الخطاب وأبا بكر وعائشة ومقتل الحسين بن علي، وهو ما يعمّق فجوة الثقة داخل العالم الإسلامي.
وفي ضوء هذه الخلفية، تبدي إيران أنها نصيرة للمقاومة، بينما تتحرك تحت الطاولة السياسات الإقليمية وفق حسابات نفوذ أكثر تعقيدا. وتستحضر هذه الرؤية وقائع التاريخ الإسلامي، ومنها ما جرى في مأساة كربلاء حين توجّه الحسين بن علي إلى العراق استجابة لرسائل الاستدعاء، قبل أن يواجه واقعا مختلفا انتهت المأساة بموته. فهم لا يظهرون ما يبطنون، ومن طبعهم المكر والخداع والشقاق والنفاق.
في المقابل، تظهر في المنطقة إسرائيل وحلفائها الغربيين وأمريكا العدوانية مع خصومتها للعالم الإسلامي، بصيغة صريحة ومباشرة. أما داخل ساحة الصراع نفسها، فهي تدعم فصائل المقاومة العميلة، مع توظيفها في إطار صراعات النفوذ الإقليمي.
ومن هنا تنشأ فرضية أوسع تبين أن الصراعات الجارية تخدم بصورة مباشرة، المشروع الدجّالي الصهيو إسرائيلي الذي يهدف إلى بناء عاصمة الدجال الثالثة في المنطقة.
من خلال هذه القراءة المفصّلة فإن أي حركة أو منظّمة أو مقاومة تعمل في خدمة المشروع الإسرائيلي الأمريكي، وتتماهى مع الاستراتيجيات التي تعزّز نفوذ إسرائيل في المنطقة، هي جزءا من منظومة الشيطان وتسهم في تمهيد الطريق للمشروع التوسّعي الذي يخدم الطموحات الدجّالية، خصوصا في ما يتعلّق ببناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى بعد تدميره بالمقدس. فهذا هو الوقت المناسب بالنسبة لإسرائيل.
وفي ظلّ هذا السياق المتوتّر، تتّجه الأنظار إلى مواقف الأنظمة في المنطقة، حيث نرى أن عددا من الحكومات الأعرابية سواء كانوا سعوديين أو امارتيين أو قطريين أو بحرينيين أو أردنيين أو مصريين يدعمون المشروع الإسرائيلي في التوسّع. وهو ما يثير جدلا واسعا داخل المجتمعات حول طبيعة هذه المواقف ومدى انسجامها مع تطلّعات الشعوب والقضية الفلسطينية.
في هذا التصوّر النقدي، ينظر إلى حكّام منطقة الخليج على أنهم متحالفون بصورة مباشرة مع المصالح الصهيوإسرائيلية في الإقليم. ومستعدّون بكل وفاء وإخلاص لتقديم تنازلات جغرافية تمسّ سيادة أراضيهم، في سياق إعادة تشكيل «إسرائيل الكبرى» الخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط.
لماذا؟ لأنه وبكل بساطة، هؤلاء الحكّام يهودا في الأصل وعبّاد وأتباع الشيطان وليسوا عربا.
إن المنطقة مقبلة على مرحلة دامية يستهدف فيها المؤمنون والمسلمون بصورة خاصة، حيث توجّه الضربات العسكرية نحو التجمعات السكانية الخالية من اليهود ولكن يعتقد وفق التقديرات الإستخباراتية أنها تحمل هوية دينية أو انتماء للرسالة المحمدية. وفي مثل هذا السيناريو، قد تصبح الأحياء السكنية ساحات قصف إذا غلب على سكانها الطابع الإسلامي، إذ يعتبر بقاء هذه الفئات مستقبلا بمثابة قوة قادرة على مقاومة المشروع الدجّالي القريب.
• هناك قوى دولية كبرى تقف في ظاهر الأمر على مسافة من الصراع في موقف المتفرّج، بينما تسهم بصورة غير مباشرة في تغذيته. في الشرق والغرب، مثل الصين واليابان التابعة لأمريكا والكوريتين وروسيا وبريطانيا وألمانيا وعدد من الدول الأوروبية، حيث إن مواقفها العلنية تميل إلى تهدئة الأوضاع ورفض الحرب، في حين أنها تدعم بصفة غير معلنة تصل إلى تمويل إيران خفية بالتسليح حتى تقصف دول الخليج لتوسيع الرقعة.
وتستند هذه الرؤية إلى تساؤل أخلاقي عميق وهو كيف يمكن للعالم أن يشهد ما جرى على أرض فلسطين، من دماء الأبرياء التي استنزفت دون أن تكون لهم إرادة دولية حاسمة وموحّدة توقف الإبادة الجماعية؟
إن الصمت الدولي أمام تلك المآسي يحمل دلالات سياسية تتجاوز مجرد العجز، لأنهم كلّهم متفقون، وهذا يفتح باب التأويل حول طبيعة المشروع الذي يرسم مستقبل المنطقة في السياسة العالمية.
فالجميع مشارك لإقامة العاصمة الشيطانية، التي عليها الهيكل الدجّالي حيث يجلس على عرش أرض المقدس.
وهي نتيجة ما استخلصناه من هذه القراءة المفصلة.
إن المتأمّل للأحداث من مسافة أوسع قد يصل إلى استنتاج مفاده أن جميع
القوى الدولية والإقليمية متآمرون ينشطون ضمن مسار واحد يتجاوز حدود الصراعات المعلنة، والذي يعزّز المشروع الدجّالي المهدّد الأول والمباشر للإنسان وللشعوب التي ما زالت بعيدة عن إدراك طبيعة هذه الترتيبات السرية. وبعد تحقيق مشروعهم سيكون هدفهم لاحقا القضاء على مستقبل البشرية نفسها.
والدليل على ذلك، العالم يشهد الدم الفلسطيني يسيل أمام أعين الجميع، في حين بقيت كل الجيوش الكبرى بعيدة عن أي مواجهة مباشرة توقف تلك المجازر.
إذا كانت هذه الترسانات العسكرية الهائلة لا تتحرّك في مثل هذه اللحظات المفصلية، ولا تطلق رصاصة واحدة وفق القانون الدولي الذي ينصّ على وقف الظلم، فإلى أي اتجاه يمكن أن تتّجه قوتها في المستقبل؟
وفي هذا السياق يقودنا إلى استنتاج مفاده أن أدوات القوة التي تملكها الدول مصيرها أن تستخدم في مراحل لاحقة لضبط المجتمعات نفسها، خاصة إذا تصاعد الرفض الشعبي للمشروع الصهيوني الدجّالي المفروض أو إذا اندلعت موجات احتجاج واسعة ضدّ الأنظمة الحاكمة.
وعندها قد تجد الحكومات نفسها في مواجهة شعوبها لإقامة عاصمة الشيطان، وهو سيناريو يخشاه المراقبين الذين يرون أن العالم يقف عند عتبة مرحلة شديدة الاضطراب في توازناته السياسية والاجتماعية.
المؤلم حول مآلات الشعوب الأعرابية بعد أن انجرفت نخبها نحو مشاريع فصلت الهوية الإسلامية عن بنيتها الحضارية. هل قاد هذا المسار إلى نهضة حقيقية، أم فتح أبواب الضعف والهوان؟ فالمشهد الراهن يوحي بأن تلك الشعوب انتقلت من موقع الفاعل إلى موقع المفعول به والتابع، لا تملك الزمام، وتعيش في ظلّ منظومات نفوذ تتحكّم في مصيرها. لقد روّج لفكرة أن دين الإسلام كان سبب التأخر الشعوب الأعرابية، وأن الخلاص يكمن في تفكيك المرجعية الدينية من المجال العام. غير أن التجربة كشفت مفارقة قاسية؛ إذ بدا الأمر أشبه بمن يتخلى عن دينه ويسلّم سلاحه لمن يعده بالحماية، ليجد نفسه عاريا أمام الخطر إما يقتل أو يساق كالبهيمة ويحزوق في سجون الاحتلال.
أو بصورة أكثر مرارة، كمن يطلب من امرأة أن تتخلى عن شرفها مقابل وعده لها بالزواج، وبعد أن ينتزع منها ما يحفظ كرامتها تترك جانبا.
وفق هذا التصوّر النقدي، يبدو المشهد أكثر تعقيدا مما يظهر علنا. فالحكومات التي تعلن مواقف رافضة للتطبيع أو للصراعات القائمة كما دول الخليج وشمال إفريقيا العربي مثلا، طبيعة علاقاتهم الغير المعلنة تربط حكّامهم بإسرائيل عروة وثقى، ويتمثّل الجزء الأكبر في الدعم المالي والعسكري أو اللوجستي الذي يعمل خلف الكواليس، بعيدا عن أعين شعوبهم. هذه الحكومات قد تسعى إلى إبعاد شبهة مسؤولية المواجهة المباشرة عن نفسها، عبر ترك إسرائيل تولّي تنفيذ الضربات العسكرية ضدّ شعوبهم باستخدام جنود تلك الشعوب نفسها، وعبر ترسانتها العسكرية وأموالها، بحيث يظهر الأمر وكأن امريكا وإسرائيل هي من تقصفهم، لكن الحقيقة، الجيش النظامي لتلك الدول الأعرابية تحت تغطية صهيونية هو من يقصف بلاده بزيّ عسكري رسمي للعدو. بينما تبقى أدوار الحكومات الأعراببة المشبوهة بعيدة عن أنظار شعوبها.
سنشهد لاحقا من خلال هذه القراءة أن كثيرا من الحقائق المرتبطة بالصراعات الحالية قد تتكشّف مستقبلا ، لفتح الملفات الإستخباراتية الصهيو إسرائيلية لأرشيفات الخيانة السياسية والعسكرية لحكّام الدول الأعرابية، جوانب كانت مخفية عن الرأي العام أثناء وقوع الأحداث.
كما يجري تداول فيديوهات وصور لها تفسير واحد وهو أنها إشارات إلى وجود عناصر عسكرية عربية داخل مواقع وثكنات عسكرية مرتبطة بإسرائيل، وهو ما يدفع إلى الاعتقاد بأن الأعراب كانوا دوما حاضرين للقتال بشكل مستمر نيابة عن الإحتلال الصهيوني الجبان.
