انتاج الدراما السورية /الشامية وغيرها
شهد إنتاج الدراما السورية تغيرات كبيرة، فالبداية كانت مع وجود التلفزيون السوري (القطاع العام) في عام 1960 عندما بدأ بإنتاج أعمال تمثيلية غير مسجلة، ثم تطوّر الأمر وبدأت بعض ملامح تدخل القطاع الخاص على الإنتاج التلفزيوني، التي بدأها عام 1980 داوود شيخاني مؤلفا ومنتجا مع مسلسل “بصمات على جدار الزمن” للمخرج هيثم حقي، ثم مسلسله الثاني “حرب السنوات الأربع” لذات المؤلف والمخرج، وقدّمت شركة “الرحبة” لهيثم حقي مسلسل “دائرة النار” (إنتاج 1988).

ومع بداية تسعينات القرن العشرين وجدت العديد من الشركات التي نشطت في تقديم الدراما السورية منها شركة “الشام” التي قدّمت أعمالا اجتماعية هامة، منها “الدوغري” و”أخوة التراب” و”يوميات مدير عام”، علاوة على الشركة السورية الدولية “سما الفن” التي قدّمت مسلسل “عصي الدمع” وقامت شركة “سامة” بتقديم العديد من الأعمال الاجتماعية ذائعة الصيت منها “أهل الغرام” و”ندى الأيام”. ولاحقا قدّمت العديد من الشركات الأخرى أعمالا اجتماعية عالية المستوى.
ولا شك أن التغيرات الجيوسياسية التي وجدت في العالم، بعد عام 2011 وضعت خارطة فكرية وسياسية جديدة في المنطقة العربية وجعلتها على صفيح ساخن. فحالة الحرب المستعرة والتقلبات السياسية والأمنية التي تحيق بالجميع غيّرت قواعد اللعبة، ممّا سبّب حالة من الانزياحات الفكرية والسياسية التي ظهرت آثارها على خارطة الدراما العربية والسورية.
ففي ظل وجود حالة الحرب في الداخل السوري والاستقطاب السياسي الذي فرضته، إضافة إلى خروج العديد من قامات الفن السوري نحو بلاد المهجر. وما رافق ذلك من آلية عرض الدراما السورية لدى العديد من القنوات العربية التي كان بعضها لا يرحب بهذا المنتج أصلا، لأسباب غير فنية. كل ذلك أدّى خلال أعوام 2011 وحتى عام 2018 إلى انحسار كبير في حجم إنتاج الدراما السورية، فكان عام 2017 الأقل إنتاجية بـ21 عملا.
لكن عام 2018 وما بعده حمل انتعاشا جديدا في الإنتاجات الدرامية السورية، فوصلت الحصيلة عام 2019 إلى 31 عملا قدّمت خلالها العديد من المسلسلات التي عكست أجواء المجتمع السوري.
وبعد سنوات الانحسار، أيقن المنتجون أن طبيعة المادة المقدّمة يجب أن تكون بعيدة عن المناوشات الاجتماعية والسياسية وما يمكن أن تولّده من صدامات، فالعمل الاجتماعي حين يدخل المناطق الحارة اجتماعيا أو سياسيا يصبح في مواجهة مباشرة مع أجهزة الرقابة الفنية التي يمكن أن تعطل العمل أو تلغيه تماما. والمنتج يفضل ألاّ يدخل في مواجهة مع أجهزة الرقابة لخطورة ذلك على مجمل أعماله اللاحقة.
فالمواضيع الاجتماعية قد تحمل في طياتها إسقاطات سياسية أو اجتماعية مختلفة أو متضادة مع غيرها، وهذا ما قد يولد انفجارات عاصفة في الرأي العام لدى جماهير القنوات العارضة أو حكوماتها، وبالتالي تكبّد الشركات المنتجة خسائر مالية هي في غنى عنها.
وهذا ما يجعل المُنتج عازفا عن الولوج في متاهات تقديم دراما نزقة أو شرسة تحاول تحريك الساكن أو المتردّي. ويبقى محافظا على تقديم مواضيع اجتماعية حيادية مكرّرة.
في المقابل، تمثل دراما البيئة الشامية طوق النجاة للمُنتجين، ففيها عوالم فنية جاذبة للجمهور، وهي التي تتناول في مجملها قصص حب وبطولات مفقودة في زمننا الراهن، والكثير من الحكايات الصغيرة المتعلقة بعنتريات الرجال وكيد النساء، ما يولّد لدى المشاهد حنينا إلى الماضي بزمانه ومكانه.
وهي التي تطرح حالة من التسلية المبنية على أحداث افتراضية غير موثقة، وبالتالي لا تصطدم مع أي فكر أو تيار أو سياسة، فالمنتج هو حكاية شامية لطيفة يمكن أن تحكيها أي جدة لأحفادها قبل النوم. فيستريح العمل من متاعب الرقابة والترويج متجاوزا حدود الدول والرقابة المفروضة على بعض الأعمال الدرامية المثيرة للجدل. وهذا ما يجعل هذا الشكل الفني مطلوبا من الجميع، المُنتج والعارض.
طوق النجاة
“بعد عدة سنوات” يتتبّع مسار أبطاله في زمنين مختلفين
الدلائل تشير إلى أن هذا الشكل سيكون صاحب حضور أكبر في المواسم القادمة، نتيجة وجود المصلحة التي تحكم العلاقة بين أطراف الإنتاج والعرض وما بينهما في التنفيذ والمشاركة، بل إن الموسم الحالي قد أوجد صيغة جديدة في هذه الأعمال والمتمثلة في إنجاز أكثر من جزء واحد دفعة واحدة، كما هو الحال مع مسلسلي “الكندوش” الذي صُوّرت منه ستون حلقة، والأمر ذاته انسحب على “حارة القبة”، وهناك غيرها الكثير.
ومع تقدّم دراما دول الخليج العربي التي باتت تعرض في السنوات الأخيرة دراما اجتماعية تحمل هموم مواطنيها عبر نماذج متطوّرة في تقديم رؤى اجتماعية رفيعة المستوى، محقّقة حضورا جيدا على الصعيد العربي، وهي التي استفادت من تراكم الخبرات لديها بالاستعانة بقامات فنية كبيرة من مصر وسوريا ولبنان.
كل هذا عاد بالسلب على مساحات حضور الدراما الاجتماعية السورية على الشاشات العربية. وصار التنافس بينها وبين الدراما المصرية والخليجية كبيرا، فالقنوات الخليجية التي كانت تستقبل أكثر من مسلسل سوري أو مصري في موسم واحد، وأمام وجود منتج محلي جيد، باتت مكتفية بمسلسل واحد، ممّا يعني مساحات أضيق بالنسبة للمنتج الدرامي السوري أو المصري.
لكن صيغة الأعمال العربية المشتركة تمكّنت من تجاوز هذه المعضلة، فتشارك الفنانين العرب في العديد من الأعمال الدرامية حقّق نجاحات مبهرة. لكنها، وبالتوازي، ما زالت تحتاج إلى الكثير من الوعي والجدية للخروج من حالة الاستسهال في تناولها السطحي أحيانا، لبعض الموضوعات الحارّة والمأزومة التي تواجه المواطن العربي.

