ندوة «سر الصنعة» تفتح صندوق الأسرار لفنون العرائس فى الملتقى العربى بالقاهرة

0

“حين تنطق الدمية وتتكشف الأسرار”

ندوة «سر الصنعة» تفتح الصندوق لفنون العرائس فى الملتقى العربي بالقاهرة

تقرير _ أمجد زاهر 

شهدت قاعة الاجتماعات الكبرى بالمجلس الأعلى للثقافة صباح اليوم أولى الندوات الفكرية والتطبيقية ضمن فعاليات الدورة الخامسة من الملتقى العربي لفنون العرائس والدمى والفنون المجاورة، الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرح.

وجاءت الندوة الافتتاحية بعنوان «سر الصنعة» لتؤكد منذ اللحظة الأولى أن هذه الدورة لا تكتفي بالعرض والفرجة، بل تنحاز بوضوح إلى المعرفة والتفكيك العميق لمهنة العرائسي، بوصفها حرفة وفنًا ورؤية إنسانية في آن واحد.

الندوة شهدت حضورًا لافتًا من المسرحيين، والباحثين، وطلاب كليات الفنون، الذين توافدوا لاكتشاف ما يدور خلف الكواليس، ولفتح ما يشبه “صندوق الأسرار” لفن تحريك الجماد وبث الحياة فيه، في حوار ثري جمع بين الخبرة العملية والطرح الأكاديمي.

 

منصة الخبرات: ثلاث قامات عربية في مواجهة السؤال الكبير

 

أدار الندوة نخبة من أعلام فنون العرائس في الوطن العربي، حيث التقت التجربة اللبنانية المتجددة مع العمق المصري التراثي، في حوار كشف عن تنوع المقاربات واختلاف المدارس، مع اتفاق الجميع على جوهر واحد: الدهشة.

 

كريم دكروب: سيكولوجيا الدمية قبل تقنياتها

 

استهل الفنان كريم دكروب (لبنان) مداخلته بالحديث عن «سر الصنعة» باعتباره علاقة سيكولوجية وروحية قبل أن يكون مهارة تقنية.

وأكد أن العرائسي الحقيقي لا يحرك دمية، بل يبني علاقة معها، تبدأ من فهم خامتها، سواء كانت خشبًا أو إسفنجًا أو قماشًا، وتنتهي بقدرتها على إثارة التعاطف والضحك والحزن لدى المتلقي.

وتحدث دكروب عن تجربة مسرح الدمى اللبناني، موضحًا أن النظرة السائدة في العالم العربي للدمى باعتبارها فنًا موجهًا للأطفال فقط هي نظرة قاصرة، مشيرًا إلى أن التجربة اللبنانية تعتمد على دراسة العمل كاملًا قبل تقديمه، سواء للكبار أو الصغار، وهو ما يفسر استمرار عروض مثل «شو صار بمفر منخار؟» منذ عام 1993 حتى اليوم، إضافة إلى عروض بارودية تناولت الواقع اللبناني بجرأة ووعي.

كما كشف عن سر مهم في التجربة اللبنانية، يتمثل في الدمج بين العرائس والممثل البشري، معتبرًا ذلك أحد مفاتيح تطور هذا الفن وتمدده جماهيريًا.

 

من الظل إلى التجسيد: تطور مسرح الخيال

 

وتوقف دكروب عند تجربة مسرح الخيال، موضحًا كيف جرى تطوير تقنيات خيال الظل لتنتقل من السطح المسطح إلى فضاء ثلاثي الأبعاد، عبر حلول مبتكرة في الإضاءة والشفافية، مع الحفاظ على الهوية البصرية التي تخلق لدى المشاهد إحساسًا مزدوجًا بالحنين والدهشة.

 

د. وليد دكروب: ميكانيكا الحركة وصناعة المشهد

 

من جانبه، قدم الدكتور وليد دكروب (لبنان) مداخلة ركزت على البعد الأكاديمي والتقني، متناولًا مفهوم «السينوغرافيا العرائسية».

وأوضح أن سر الصنعة يكمن في دقة الهندسة الداخلية للدمية، فكلما كانت ميكانيكا الحركة محكمة، منحت المحرك حرية أكبر في التعبير والأداء.

واستعرض دكروب نماذج لتطوير الدمى التقليدية بما يتلاءم مع خشبات المسارح الكبرى والمهرجانات الدولية، دون التفريط في الخصوصية الجمالية لهذا الفن.

 

د. سعيد أبو رية: التراث كذاكرة حية

 

أما الدكتور سعيد أبو رية (مصر)، فانطلق من عمق التراث الشعبي المصري، مستعرضًا تاريخ الأراجوز وخيال الظل، ومؤكدًا أن سر الصنعة لدى الفنان الشعبي كان ينتقل عبر المشافهة والممارسة، لا الكتب.

وحذر من اندثار بعض الحرف المرتبطة بصناعة العرائس، مثل الجلود والأصباغ الطبيعية، داعيًا إلى توثيقها باعتبارها جزءًا من الأمن الثقافي العربي.

 

توصيات… من الندوة إلى المستقبل

اختُتمت الندوة بروح من التفاؤل والطموح، حيث دعا المشاركون إلى:

  • تفعيل دور فنون العرائس في التعليم والعلاج النفسي، استنادًا إلى الأبحاث والخبرات المطروحة.

هكذا جاءت ندوة «سر الصنعة» بمثابة بيان مبكر لروح الملتقى، مؤكدة أن العرائس ليست مجرد فرجة، بل علم وفلسفة وفن قادر على قراءة التراث بعيون المستقبل، في مسرح عربي يسعى إلى التجدد دون أن يفقد روحه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.